بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣ - في بيان فروق أخر بين الإخبار و الإنشاء
نعم وضع اللفظ بإزاء حقيقة البعث و التحريك، ليكون اللفظ تحريكاً تنزيلياً بالوضع أمر معقول، سيأتي الكلام في تقريبه إن شاء اللّه تعالى.
و إن كان الموضوع له و المستعمل فيه نفس الإرادة، غاية الأمر أنّ الدال عليها في الصيغ الإنشائيّة، دالّ مخصوص من حيث كونه منزّلًا منزلة التحريك الحقيقي، فالإيراد السابق مدفوع عنه، إلا انه مع منافاته لظاهر كلماته في غير مورد، مدفوع بان دلالة المنزّل منزلة الإيجاد على الإرادة الإيجادية عقلية فلا مجال للوضع، مع ان اللازم عدم الفرق بين الإنشاءات و الإخبارات لا في ناحية المستعمل فيه، و لا في ناحية الاستعمال، إلا في الدوال عليها، و هو مع كونه خلاف الوجدان، مخالف لكلمات الكلّ، أو الجل من الأعيان.
و التحقيق: أنّ المعنى بما هو هو، ليس إلا هو لا خبر و لا غير خبر، و اما النسب بما هي نسب، فربما تتفاوت سنخاً بحيث يقبل بعضها لحاظ مطابقتها و عدمها مع الخارج، و أخرى لا تقبل ذلك، فمن الثانية النسبة الإنشائيّة التي هي مفاد هيئة افعل، و من الأولى مفاد بعت و ملكت و نحوها القابلة للخبريّة و الإنشائيّة.
فنقول موضحاً لكلتا الطائفتين: اما مفاد هيئة افعل، فهو البعث و التحريك المأخوذ على وجه المعنى الحرفي، بيانه: ان البعث و التحريك و نحوهما مفاهيم معروفة، فقد يريد المتكلّم الحكاية عن نسبتها إلى نفسها أو غيره فيقول:
أبعثك، و أحرّكك، أو بعثك و حركك، و قد يلاحظ نفس البعث و التحريك، من حيث انهما أمران بين الفاعل و المادة و المأمور، فيجعل اللفظ بإزائه، فما وضع له اللفظ، و المستعمل فيه سنخ نسبة، لا يعقل قبولها للحاظ المطابقة، إذ البعث و التحريك بما هما بعث و تحريك، لا واقع لهما وراء نفسهما، فإذا جعل مثلهما نسبة متعلّقة بالمادة بملاحظة ما ذكرنا، من أنها أمر بين الآمر و المأمور و المادة،