بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٨ - ثانيها في حقيقة الإنشاء و الوجود الإنشائي
القلبية، و لا دخل له بالإرادة و غيرها، و الكلام الإنشائي حاك عن ذاك الفعل القلبي، كالبناء حيث إنّه أيضا فعل قلبي.
قلت: قد ذكرنا في مبحث المشتق، شطراً وافيا بالمرام ممّا له نفع تام في المقام، و هو أنّ إيقاع النسبة و البناء و غيرهما، ممّا يعد من أفعال القلوب، غير داخلة في الجواهر و الأعراض، إذ المتوهّم كونه من مقولة الكيف النفسانيّ، أو الفعل المعدود من الأعراض، و ليس من الأول في شيء، إذ المفروض أنّ نسبة النّفس إليه بالتأثير و الإيجاد، لا بالقبول و الانفعال، مضافاً إلى أنّ الكيفيات النفسانيّة معدودة، و ليس ما ذكر منها، و كذا ليس من الثاني في شيء، إذ مقولة الفعل المعبّر عنها بمقولة أن يفعل، في قبال مقولة الانفعال، المعبر عنها بمقولة أن ينفعل، عبارة عن حالة التأثير التجددي للمؤثر ما دام يؤثر كالتسخين في المسخّن ما دام يسخن، كما أنّ مقولة أن ينفعل عبارة عن حالة التأثر التجدّدي للمتأثر ما دام يتأثر، كالتسخّن للمتسخّن ما دام يتسخّن.
و من المعلوم أنّ المقام ليس كذلك، إذ ليس هنا أمران لهما حالتان كذلك، و أمّا ما يعدّ عرفا من الأفعال، كالضرب و الأكل و الشرب، فمركب من مقولات حقيقية يسمّى عرفا بالفعل، كما لا يخفى، فليس الإيقاع المزبور- كسائر ما يعدّ من أفعال القلوب- من جنس المقولات، بل يكون ضرباً من الوجود الإدراكي، الّذي نسبة النّفس إليه بالتأثير و الإيجاد لا بالقبول و الانفعال، و حينئذٍ فلا يضرّ عدم اندراجه تحت مقولة من المقولات، إذ المقولات أجناس عالية للماهيات، و الوجود ليس بجوهر و لا عرض.
و قد ذكرنا في مبحث المشتق، أنّ هذا النحو من الوجود الإدراكي داخل في العلوم الفعلية، دون الانفعالية المعدودة من الكيف المنقسمة إلى التصوّر و التصديق، و ذكرنا هناك أنّ هذا المعنى ممّا نصّ عليه المحققون، خصوصاً صدر المحققين، و لا سيما في رسالة التصوّر و التصديق.