أصول الفقه- ط جماعة المدرسين - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٢٣
قد ظهر مما سبق معنى كون الشئ حجيته ذاتية، فإن معناه: أن حجيته منبعثة من نفس طبيعة ذاته، فليست مستفادة من الغير ولا تحتاج إلى جعل من الشارع ولا إلى صدور أمر منه باتباعه، بل العقل هو الذي يكون حاكما بوجوب اتباع ذلك الشئ.
وما هذا شأنه ليس هو إلا العلم.
ولقد أحسن الشيخ العظيم الأنصاري (قدس سره) مجلي هذه الأبحاث في تعليل وجوب متابعة القطع [١] فإنه بعد أن ذكر أنه " لا إشكال في وجوب متابعة القطع والعمل عليه ما دام موجودا " علل ذلك بقوله: " لأ أنه بنفسه طريق إلى الواقع، وليست طريقيته قابلة لجعل الشارع إثباتا أو نفيا " [٢].
وهذا الكلام فيه شئ من الغموض بعد أن اختلفت تعبيرات الأصوليين من بعده، فنقول لبيانه: إن هنا شيئين أو تعبيرين:
أحدهما: وجوب متابعة القطع والأخذ به.
ثانيهما: طريقية القطع للواقع.
فما المراد من كون القطع حجة بذاته؟
هل المراد أن وجوب متابعته أمر ذاتي له - كما وقع في تعبيرات بعض الأصوليين المتأخرين [٣] - أم أن المراد أن طريقيته ذاتية؟
مما يجب التنبيه عليه: أن المراد من " العلم " هنا هو " القطع " اي الجزم الذي لا يحتمل
الخلاف. ولا يعتبر فيه أن يكون مطابقا للواقع في نفسه وإن كان في نظر القاطع لا يراه إلا
مطابقا للواقع، فالقطع الذي هو الحجة تجب متابعته أعم من اليقين والجهل المركب، يعني أن
المبحوث عنه هو العلم من جهة أنه جزم لا يحتمل الخلاف عند القاطع.
[٢] فرائد الأصول: ج ١ ص ٤.
[٣] لم نظفر على من عبر بعين التعبير المذكور، راجع نهاية الدراية للمحقق الإصفهاني (قدس سره): ج ٣
ص ١٧ - ١٨، ونهاية الأفكار (تقرير أبحاث المحقق العراقي (قدس سره)): ج ٣ ص ٦ - ٩.