شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٩
من أسباب السعادة أو متحسرة بما حصلت من أسباب الشقاوة فلها بذاتها جنة وجحيم جنتها كمالاتها، وجحيمها رذائلها من حب الدنيا، وما يتولد منه وباعتبار البدن جنة وجحيم تعود إلى إحداهما بعد الحشر. إذا عرفت هذا فنقول: من أحب الدنيا ولم يصبر على ما نابه فيها وترك ما يتوقع منها فهو في حسرة دائما، أما على الأول فظاهر، وأما على الثاني فلأنه إن لم يحصل له فهو في حسرة لفوات محبوبه، وإن حصل له فهو في حسرة على فواته وأخذه منه قهرا عند الموت وبعده كالعاشق إذا لم يجد المعشوق أو وجده وأخذه منه قهرا. (ومن أتبع بصره ما في أيدي الناس كثر همه ولم يشف غيظه) فيه حث على النظر إلى من دونه فإنه يوجب الرضا بقسمته ومعرفة قدر نعمته والشكر لربه ومنع من النظر إلى من فوقه من أهل الدنيا وما هم فيه من النعماء، فإن من نظر إليهم زاغ قلبه وكثر همه وزاد غمه ولم يشف غيظه بل يوجب زيادة غيظه لكثرة حظهم وقلة حظه ويبعثه على تمني مثل حالهم وهو لا يعلم حقيقة مآلهم كما * (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم * وقال = بقائه، فلا وجه لبطلان النفس الناطقة بفساد البدن من جهة فساد البدن، بخلاف القوى البدنية كالباصرة والسامعة فإنها من الروح الحيواني الذي يؤثر الموت في فنائها وهي بمنزلة آلات للنفس الناطقة كالمنشار للنجار، والمنظار للبصر الضعيف. فإن قيل: سلمنا أن النفس الناطقة لا يجب أن تفنى بفناء البدن، كالدخان حيث لا يفنى بفناء الحطب، فما الدليل على أنها لا تفنى بنفسه. ولا تتلاشى كما يتلاشى الدخان لا بسبب فناء الحطب بل بسبب آخر وهذا من التشكيكات الفخرية، وأجاب عنه المحقق الطوسي في شرح الاشارات بما حاصله أن النفس الناطقة ليست جسما مركبا من أجزاء مقدارية أو من عناصر مختلفة [ كالدخان حتى تتلاشى كما يتلاشى الدخان وإنما شبهنا النفس به في عدم الاحتياج إلى البدن بعد الوجود فقط ] وأيضا النفس ليست مركبة من جزئين أحدهما كالهيولى والآخر كالصورة حتى يتعقل تبدل النفسية بصورة أخرى لأن الشئ الذي يمكن أن يتصور جزء من النفس كالهيولى لابد أن يكون مجردا غير ذي وضع وغير متمكن في مكان ولا متحيزا في حيز، والشئ المتصف بهذه الصفات لابد أن يكون عاقلا وإن سميناه هيولى، فهي بنفسها من غير أن يلحقها تلك الصورة تدرك، وهي باقية كسائر الهيوليات وإن احتمل أن للهيولى المفروضة صورة يكون إدراكها وتعقلها بتلك الصورة، نلتزم حينئذ بعدم إمكان انفكاك تلك الصورة عن تلك الهيولى وتبدلها بصورة أخرى لأن هذه الحالات الطارية لابد أن تكون حادثة زمانية معلولة لتغيرات استعداد وهذه كلها غير ممكنة في غير الأجسام المادية. ثم لما أوهم كلام الشارح هذا روحانية المعاد فقط استدركه بقوله: وباعتبار البدن جنة وجحيم تعود إلى إحداهما بعد الحشر فأثبت صيرورة الكمالات والرذائل أجساما بعد الحشر على ما سبق مرارا من تجسم الأعمال، وقد سبق أيضا أن كل كمال لا يتوقف استمرار وجوده على الجوارح يبقى مع النفس وإن كان متوقفا على البدن أول حصوله. (ش). (*)