شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٤
فدائما ينتقل من حال إلى حال، وتلك الحوادث والأحوال المسماة بالخواطر محركات للإرادة والأشواق، وهي محركات للعزم والنية، وهي محركة للقوة والقدرة، وهي محركة للأعضاء فيصدر الفعل خيرا كان أو شرا عنهما عن هذه المبادئ المترتبة، وهذا معنى ما روي " أبى الله أن يجري الاشياء إلا بأسبابها (١) " ثم تلك الخواطر المحركة للإرادة تنقسم إلى قسمين (٢) قسم يدعو إلى الخيرات وقسم يدعو إلى الشرور فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين، فالخاطر الداعي إلى الخير يسمى إلهاما، والخاطر الداعي إلى الشر يسمى وسواسا، وهما لما كانا حادثين والحادث يحتاج إلى سبب وجب أن تكون أسبابهما القريبة مختلفة، فسبب الالهام يسمى ملكا (٣) وسبب الوسواس يسمى = والحس معد لصاحب العقل لا لفاقده كالرضيع، ولا ريب أن الأعدام لا تمايز بينها فلو لم يكن قوة مسماة بالعقل موجودة في الإنسان الحكيم لم يكن تمايز بينه وبين الرضيع إذ كلاهما واجدان للحس وعادمان للعقل إن فرض عدم قوة مسماة بالعاقلة. ويمكنك أن تجري كلامنا في القوى الباطنة أيضا مثلا الواهمة معنى واحد يعرض للحيوان وقتا ما ويزول من غير أن يكسب منه علما، فالرضيع يحزن لفقد أمه ويسر بحضورها، وهذا الحزن أو السرور حالة واحدة تعرض له في وقت واحد ثم يزول، وخيال المرئي مثلا كذلك لا يوجب كسب علم بل هو جزئي يوجد وقتا ما وحافظة لما أدركه جزئيا مثله، بل نقول ذلك في الفكر أيضا فإنه حالة جسمانية غير العقل عارضة للدماغ لو لم يكن قوة مسماة بالعاقلة مستعملة إياه لم يتحرك لتتبع المعقولات وتركيبها وتفصيلها بل كان يقتصر على تركيب المحسوسات فقط. وبالجملة فهذه القوة العاقلة باب مفتوح على الإنسان من العالم الروحاني به يطلع على عالم الغيب إن لم يدنسها بالاقتصار على الكليات المتعلقة بالموجودات الدنيوية ولم يشتغل بالتفكر في الدنيا عن الآخرة وإلا فهو بمنزلة طائر يطير عن المزبلة ثم يهبط إليها. ثم اعلم وتفطن أنا نتمسك لإثبات تجرد العاقلة بعدم حصول الضعف لا بكثرة المعقولات في الشيخوخة فإن ضعف البصر يدل على جسمانيته وإن كثر به المبصرات كما يأتي قريبا إن شاء الله. (ش). ١ - تقدم في كتاب الحجة باب معرفة الإمام ج ٥ ص ١٦٧. ٢ - قوله " تلك الخواطر المحركة للارادة تنقسم إلى قسمين " يعنى أن كل ما يأتي إليها من طرق حواسه خاطر داع إلى الشر وكل ما يأتي إليها من غير حواسه خاطر داع إلى الخير لأن العقل لا يدعو إلى الشر البتة. فإن رأيت بعض أفراد الإنسان استعمل عاقلته في جمع حطام الدنيا وتحصيل علوم لا ينفع إلا في الدنيا ويضر بالآخرة فإنما دعاه إلى ذلك حبه للمحسوسات وركونه إليها وعاد الشر إلى الحس بالأخرة (ش). ٣ - قوله " فسبب الالهام يسمى ملكا " سبق من الشارح أن داعي الخير يأتي إلى القوة العاقلة من العالم الروحاني وهو عالم الملائكة فلابد أن يكون سبب الإلهام ملكا وأما داعي الشر فمن الحواس ولا يدعو الحس نفسه إلى شئ فإذا أبصر الرجل شيئا فربما لا يتشوق إلى القرب منه ولا إلى الهرب عنه. فالشوق أمر زائد على الحس غير حاصل للحواس الظاهرة ويسمون القوة التي بها يتشوق الحيوان الواهمة، والواهمة قوة جسمانية ولا شئ من الجسم يتغير عن حاله إلا أن يغيره غيره. فلو خلي جسم ونفسه بقي على حاله مستمرا = (*)