شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٣٦
موسى (عليه السلام): فما هذا البرنس ؟ قال: به أختطف قلوب بني آدم، فقال موسى: فأخبرني بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه ؟ قال: أعجبته نفسه وأستكثر عمله وأصغر في عينه ذنبه. وقال: قال الله عز وجل لداود (عليه السلام) يا داود بشر المذنبين وأنذر الصديقين قال: كيف ابشر المذنبين وانذر الصديقين ؟ قال: يا داود بشر المذنبين أني أقبل التوبة وأعفو عن الذنب، وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم فإنه ليس عبد أنصبه للحساب إلا هلك. * الشرح: قوله (إذا أقبل إبليس وعليه برنس -... إلى آخره) البرنس بضم الباء والنون وسكون الراء قلنسوة طويلة أو كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كان أو جبة أو ممطرا أو غيره (فلا قرب الله دارك) لعله كناية عن حيرته أو بعد منزله عن المؤمن. (به أختطف قلوب بني آدم) اختطاف " ربودن " يقال خطفه - من باب علم وضرب - واختطفه إذا استلبه وأخذه بسرعة. ومن طريق العامة: " أن الشيطان ليجثم على قلب ابن آدم له خرطوم كخرطوم الكلب إذا ذكر العبد الله عز وجل خنس وإذا غفل عن ذكر الله وسوس " واستحواذ الشيطان على العبد غلبته واستمالته إلى ما يريده منه. (وأنذر الصديقين ألا يعجبوا بأعمالهم) أي لا يتبهجوا بها ولا يتكلوا عليها ولا يعتقدوا أنهم بسببها خرجوا عن حد التقصير فإنه ليس عبد أنصبه أي أقيمه، وفعله من باب ضرب (للحساب إلا هلك) إذ كل عبد مقصر في أداء حقوقه تعالى وكل عمل ناقص في جنب عظمته ولا قدر له في مقابل نعمته فإذا وقع التقابل بين الأعمال والنعماء بقي أكثر النعماء لا مقابل لها من الأعمال فعلم أن إحسانه تعالى إلى العباد وإثابته انما هو بالتفضل لا بالعمل (١) فينبغي أن لا يعجبوا به مع كماله في النقص، فحاصل التعليل الردع عن العجب بالعمل لعدم الاعتداد به وعدم دخوله تحت الحساب وعدم الوزن له في مقابلة إحسانه تعالى. ١ - قوله " إنما هو بالتفضل لا بالعمل " مذهب أهل العدل أن كل مشقة تصل إلى العبد بسبب إطاعة أمر المولى استحق ثوابا بمقتضى عدله وحكمته، وهذا حكم العقل، ولو لم يكن المولى عادلا أو حكيما احتمل في حقه تخلف عن الواجب لا إذا كان حكيما عادلا، ولو بنى الأمر على تخطئة العقل في هذه الأحكام بطل قاعدة اللطف وإثبات النبوة والإمامة والمعاد وسائر أصول الدين والمذهب، ولعل مراد الشارح أن هذا الثواب المستحق الذي يجب على العادل الحكيم إثابة المكلف به أقل كثيرا مما يصل إليه فعلا في الآخرة، فأصله مستحق واجب ومقداره زائدا على مقدار الاستحقاق تفضل، وقد ذكر علماؤنا أن كل مشقة ومصيبة وألم ومرض ونقص تعرض المكلف سواء كان مؤمنا أو كافرا أو حيوانا يدرك الآلام يستحق بها على العدل الحكيم عوضا إذا كان بسببه لا من قبل العبد، وقد ورد " أن لكل كبد حرى أجرا " وإن لم يكن هناك تكليف وامتثال وعبادة، ومن قال إن المكلف لا يستحق أجرا على مقدمات العبادات كالسير إلى الحج إذا لم يترتب عليها نفس الحج ومات في الطريق، فهو جاهل بأصول المذهب. (ش). (*)