شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٢٣٥
شيطانا. والأمر الذي به يتهيأ القلب لقبول الهام الملك يسمى توفيقا وهداية، والأمر الذي به يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى إغواء وخذلانا فالملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى لإلهام الحق والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك فالشيطان في مقابلة الملك والوسواس في مقابلة الإلهام، والإغواء والخذلان في مقابلة التوفيق والهداية، فالقلب دائما متجاذب بين الملك والشيطان، الشيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها ويأمر بالخيرات فإن تبع أمر الشيطان بإمضاء القوة الشهوية والغضبية واختبار الأخلاق الذميمة والأعمال القبيحة ظهر تسلطه على الملك وصار القلب ملكه يتصرف فيه ما يشاء كيف شاء، وإن تبع أمر الملك وسلك سبيل الخيرات وترك الهوى والشهوات واتصف بالعلم والطهارة والتقوى والاشتياق إلى الآخرة والزهد في الدنيا ظهر تسلطه على الشيطان وصار القلب ملكا له ومهبطا للإلهامات ومعدنا للمعارف والكرامات وموردا للأنوار = فالواهمة لا تتغير عن حالها ولا تحصل فيها حالة الشوق بعد العدم إلا بسبب، وليس هذا بسبب الحس الظاهر وإلا لكان كل من أحس شيئا اشتاق إليه أو تنفر عنه وليس كذلك فلابد أن يكون السبب شيئا آخر ينضم إلى الحس وباجتماعها يحصل الشوق فإن كان ذلك لسبب هو العقل فهو داع إلى الخير بإلهام الملك، وخارج عن موضوع بحثنا فلابد أن يكون السبب الداعي إلى الشر شيئا آخر غير العقل وهو الشيطان. ولابد من هذا التفصيل هنا لأن كلام الشارح يوهم أن الشيطان هو نفس الحواس الظاهرة والباطنة وليس مراده ذلك قطعا بل الشيطان موجود آخر مسلط على الحواس غير مسلط على العقل وله سبيل إلى باطن العروق ولا سبيل له إلى داخل القلب، ولما كان أصل كلام الشارح مقتبسا من كلام صدر المتألهين (قدس سره) ننقل كلامه هاهنا توضيحا وتأييدا لما فصلناه، قال في مفاتيح الغيب: إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة وكل حادث لابد له من سبب ومهما اختلفت الحوادث دل على اختلاف الأسباب لكن الاختلاف إن كان بحسب العوارض والخارجيات فيحتاج إلى اختلاف القوابل والاستعدادات وإن كان الاختلاف بحسب الحقائق والمنوعات فيفتقر إلى اختلاف العلل الفاعليات، ولما كان اختلاف الخواطر بحسب الخيرات والشرور وكان الاختلاف بينهما اختلافا حقيقيا ذاتيا فيكون الاختلاف بين مبدأ الالهام ومبدأ الوسواس أيضا كذلك، وهذا مما يشاهد من سنة الله في ترتيب المسببات على الأسباب فمهما استنار حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه بسواد الدخان علمت أن سبب الاسوداد غير سبب الاستنارة كذلك لأنوار القلب وظلماته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكا وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا، واللطف الذي به يتهيأ القلب لقبول إلهام الملك يسمى توفيقا والذي يتهيأ لقبول وسوسة الشيطان يسمى خذلانا، والملك عبارة عن جوهر روحاني نوراني خلقه الله، شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالمعروف وقد سخره الله لذلك، والشيطان عبارة عن موجود روحاني ظلماني شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالمنكر والتخويف عند الهم بالخير بالفقر ونحوه. انتهى ما أردنا نقله والشارح كما ترى حذف في تعريف الشيطان قوله موجود روحاني ظلماني واكتفى عن ذلك بقوله خلق فصار كلامه موهما (وعذره انصراف لفظ الروحاني إلى الخير) وقالوا يجب الاجتناب في التعريفات عن الكلام المشتبه والمشترك، والخلق يشمل كل شئ حتى المحسوسات والروحاني خاص بالمجردات، وإن أمر بالشر (ش). (*)