شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٩٢
سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون) * وفيه تنفير عن الدنيا وتحذير (١) عن الركون إليها فلا ينبغي للمؤمن أن يشغل قلبه بها ويحزن بفواتها ولا للغني أن يفتخر بها لأنها مال الفراعنة ومتاع الجبابرة، ثم رغب في الإيمان والصبر على تقويم أركانه بذكر ثمرته وذم متاع الدنيا والميل إليه بذكر غايته فقال: (يا فضيل بن يسار إنه من كان همه هما واحدا كفاه الله همه، ومن كان همه في كل واد لم يبال الله بأي وادهلك) الهم القصد والعزم والحزن، ولعل المراد بالهم الواحد هو الآخرة والدين، ١ - قوله " وفيه تنفير عن الدنيا وتحذير " ملاحدة زماننا يعيبون ذلك على الاسلام ويقولون عدم الاعتناء بالدنيا وزخارفها أوجب ضعف المسلمين وذلتهم. وهو غلط من وجوه: الأول: أن المسلمين في عصر تشبثهم بالدين وتمسكهم به في العصور الأول حيث كان عهدهم قريبا والعمل بأحكامه في جميع شؤون حياتهم من معاملاتهم وسياساتهم وأحوالهم الشخصية والنوعية رائجا كانوا أعز الناس وأقوى الامم، وكان الملك فيهم والدولة لهم وألقت الدنيا أزمتها بأيديهم وإنما ضعفوا بعد أن تركوا أحكام دينهم وأدخلوا أهواء ساير الأمم في أعمالهم ورجحوا قوانين الجاهلية على قواعد الاسلام كما ترى. الثاني: أن التنفير عن الدنيا في الاسلام ليس بمعنى تركها بتا، بل بمعنى عدم الركون إليها وعدم الاعتناء بها كشئ مقصود بذاته. بل يجب المعاملة معها معاملة المقدمات والآلات للوصول إلى شئ آخر مقصود بالذات كمن يحب دابته ليركب عليها ويصل بها إلى مقاصدها ويتعاهدها ويطعمها ويعتني بها وإن كانت مقدمة لساير مقاصدها. كذلك الدنيا عند المسلمين وسيلة للوصول إلى الآخرة يتعاهدها كما يتعاهد الدابة وإذا دار الأمر بين عمارة الدنيا بخراب الآخرة أو عمارة الآخرة بخراب الدنيا يختار الثاني كما فعل أبو ذر والمجاهدون في سبيل الله من الصحابة، وساير المعرضين والزاهدين إذا رأو أنه لا يمكن عمارة دنياهم إلا بالقتل والظلم والسرقة والخيانة ومعاونة الظلمة وتصويب أعمالهم الباطلة وقال تعالى * (من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) * الثالث: أن أعداء الاسلام كلما أرادوا تضعيف قوم وإبطال شوكتهم وتفرقة كلمتهم واضمحلال استقلالهم روجوا بينهم الفساد والفسوق واستخدموا الملاحدة وطردوا أهل الديانة والأمانة من أمر العامة وحذروهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر وليس ذلك إلا لأنهم علموا أن الاسلام وتمسك المسلمين بأحكامهم واعتقادهم بأصولها يوجب قوتهم وضعف أعدائهم، وقد رأينا نجاحهم في ما أرادوا، وربما كانت دولة من دول الاسلام في العزة بحيث لم يؤثر في وهنها الحروب الناهكة ولا في شوكتها الهزيمة الفاضحة لتمسكهم ظاهرا بظواهر الاسلام، وكانوا يعدون من الأعضاء الرئيسة للجامعة الانسانية ويحتال غيرهم لموافقتها لهم في مقاصدهم، وكانت المسألة الشرقية من أهم المسائل السياسية إلى ان تنبهوا الحيلة وهي تقوية الملاحدة واستخدامهم وإيجاد التشكيك وتوهين العقائد، وتضعيف التمسك باحكام الاسلام، وتفريق الكلمة، فوفقوا بها لما لم يوفقوا له مدة خمسمائة سنة بالحروب فرأسهم الملاحدة فأزالوا الخوف عن قلوب أعدائهم وأراحوهم وانحطوا إلى التقليد بعد أن كانوا صاحب الرأي ويعتد برأيهم ولم يكن يتجرأ أحد ان يقطع أمرا دون تنفيذهم. (ش). (*)