شرح أصول الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١١٠
بل نزل من العالم الروحاني (١) وتعلق بهذا البدن تعلق تصرف وتدبير، والبدن وقواه وآلاته وحواسه خدمة له يحصل له بسببها معرفة صنع الله تعالى وآثاره في عالم المحسوسات وقرب الحق وصفات الملائكة إذا طاب وقهر على خدمه واستعملها فيما هو مطلوب لربه، وأما إذا خبث بغلبة الخدمة عليه بعد عن ربه واتصف بصفات الشياطين وأنكر المعروف وأهله وأقر بالمنكر وأهله. والله سبحانه رقيب شاهد عليه يلقى إليه المعروف ويوكل إليه ملكا ينفخ فيه الخير ويأمره به فإذا مال إليه ميلا ما وخطر فيه قبوله وعلم الله منه ذلك طيبه من الرذائل وأيده بالنصرة والتوفيق وأراد به ذلك الخير فيأخذ الملك بأمر الله يده وعنقه ويصرفه عن مسلك الباطل إلى منهج الخير وعن ولاية الكاذبين إلى ولاية الصادقين فيصير غالبا بعد ما كان مغلوبا ويتوجه إلى المعروف ويعرض عن المنكر ويثبت فيه كلمة الحق، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ٤ - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن فضال، عن علي بن عقبة عن أبيه قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): اجعلوا أمركم هذا لله ولا تجعلوه للناس، فإنه ما كان لله فهو لله وما كان للناس فلا يصعد إلى السماء ولا تخاصموا بدينكم الناس فإن المخاصمة ممرضة للقلب إن الله عز وجل قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) * وقال: * (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) * ذروا الناس فإن الناس أخذوا عن الناس وإنكم أخذتم عن ١ - " بل نزل من العالم الروحاني " اختلف الحكماء في وجود النفس قبل البدن فقال بعضهم كانت النفس مجردة غير متعلقة بجسم ثم أهبطها الله لحكمة وأسكنها في البدن ثم يفارقه ويرجع إلى عالمه، وقال بعضهم: بل وجدت بعد حصول استعداد البدن ولم يكن قبل ذلك بوجودها الشخصي موجودا بل كان الموجود علتها وهي العقل الفعال المفيض للصور على المواد المستعدة وعلى هذا فالنزول تعبير عن الصدور عن العلة فإن العلة أشرف وأعلى من المعلول ويصح التعبير عن صدور المعلول عنها بالنزول مثل قوله تعالى * (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) * وقوله تعالى * (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم) * والا فالحق أن الله تعالى جعل مخلوقه في السير إلى الكمال وأن يكون كل يوم أفضل وأكمل من اليوم السابق فكيف يرجع المجرد المحض إلى المادة بل المادة تتحرك بالحركة الجوهرية إلى التجرد فيصير الجماد نباتا وحيوانا وإنسانا مجردا روحانيا يزيد به موجودات العالم العقل، بالجملة فالنزول من العالم الروحاني عبارة عن صدوره عنه بعد استعداد المادة بالحركة الجوهرية لأن تصير حاملة لنفس قدسية، فإن قيل أليست العقول القدسية تباشر أفعالا في مواد الأجسام ومذهبهم أن ما تحت فلك القمر تحت تدبير العقل الفعال مع تجويزهم أن يكون عقول كثيرة لتدبير المواليد والعناصر فما المانع من أن يكون النفس قبل البدن عقلا لتدبيره كتدبير العقول لعالم الأجسام ؟ قلنا كيفية تعلق النفس بالبدن غير تعلق العقول بأجسام العالم ويستحيل على العقل المجرد تعلقه بنحو تعلق النفس بل له تعلق آخر نظير تعلق نفوس الأولياء بأجسام غير أبدانهم. (ش). (*)