الغيب والشهادة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٧٨ - البرزخ في كلمات العلماء
وللناس بعد ذلك في عذاب القبر أقوال وآراء، فأنكره قوم بالكلية وأثبته آخرون، ثم اختلف هؤلاء فمنهم من اثبت التعذيب وأنكر الإحياء وهو خلاف العقل، وبعضهم لم يثبت العذاب بالفعل بل قال تجتمع الآلام في جسده فإذا حشر أحّس بها دفعة واحدة وهذا إنكار لعذاب القبر حقيقة، ومنهم من قال بالإحياء لكن من غير إعادة الرّوح، ومنهم من قال بالإحياء وإعادة الرّوح ولا يلزم أن يرى اثر الحياة فيه حتى إنّ المأكول في بطن الحيوان يحيى ويسأل ولا ينبغي أن ينكر لأن من أخفى النار في الشجر الأخضر قادر على إخفاء ذلك.
وللغزالي في المقام كلام على طوله لا ينفع في مرامه، فإنّه أورده دحضا لحجة من نسب إليهم إنكار عذاب القبر وسؤاله، فإنّ ما أورده وإن صح أن تدفع به إحدى جهتي الإشكال إلّا أنه لا ينفع في الجهة الثانية إلا بتكلف، فإنّ الإشكال هنا من جهة نفس العذاب وماهيته من حيث إن ما ورد في كيفيته لا يمكن أن يعتقد به، فإنا لو كشفنا اللحد أوتركنا الميت ظاهراً غير مواري لم نجد تلك الأهاويل التي وصفتها الأحاديث ولا نسمع تلك الضربة التي يسمعها أهل السماوات والأرض، ومن جهة إنّ المعذّب جماد وكيف يعذّب الجماد؟ وهؤلاء الذين نسب إليهم الإنكار ركنوا إلى الجهة الثانية، قال في آخر كلامه ما مؤداه: إنّ الأحاديث الصحيحة التي هي أكثر مِن أَنْ تحصى، والتي وإن كان كلّ واحد منها من الأحاد إلا أن ما اشتركت فيه من المؤدى والمضمون بالغ حد التواتر، وهي دالة على العذاب والسؤال وهو مما اتفق عليه السلف وأنكره مطلقا ضرار بن عمرو واكثر متأخري المعتزلة