الغيب والشهادة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٤ - المقدمه
وهذا المبلغ الشائن والسمعة السيئة في الملكات والآداب والعقائد الإلهية للأمم الأوربية عندنا إنما هو رواية قوم نزقين طائشين غلّتهم القيود الأدبّية، ولزمتهم عن شهواتهم الحدود الشرعية، ففّروا متمرّدين إلى دعارة الإلحاد ومضارب الشهوات، ومندفعين بنشاط تشبّها وتقليدا لمزايا جلّها مكذوبة وأغلبها مفتعلة.
ولا أنكر أن في أوربا من استباح الموبقات الأدبية، وغشى معاصم الّدين، وسوّد الصحف والأسفار، وعضد مبادئه جهد المستطاع بوسائل ماديّة وأدبية. وإنّ اكثر ما يتدفق علينا من أوربا هو من هذا القبيل، ولا يزال يتلقف عندنا ذلك طائفة من الشرقيين، ويطبلوّن له ويزّمرون وقد ضعفت بصائرهم، واعتمدوا نظريات هي بعد في مولدها ناقصة مبتورة مشكوك في صحّتها، وفاجَئوا بها الأمم الشرقية كقضايا صحيحة مسلّمة اتّفقت عليها آراء فلاسفة العصر الحاضر، ونسبوها لأعلام أعجمية ضخّموا ألقابها فبهت لها الشرق في مبدأ الأمر، ورجفت منها العقائد ريثما نصع الحق وظهر الباطل. ودرست تلك النظريات في معادنها، وعلم الّراشدون وأرشد المهتدون أن ما صح منها وعضده الاستقراء والاستنتاج العلميان هو والدين عدوة واحدة، وسبيل لغاية غير متعدّدة. ولا أنسى أنا مفعولها في نفسي، وكم حسبت أنا وحسب غيري أن ليس في أوربا مشعر ولا معبد، وليس للدين فيها وزن ولا معهد، إيمانها الإلحاد وعصمتها القوانين المدنيّة كلّ ذلك جرّه عصبة من دعاة تلك النظريات الّتي اقتبسوها ممن هم أمثالهم ممن يرون أنّ كلّ حديث لأنه حديث خير من كلّ قديم لأنه قديم.