الغيب والشهادة - كاشف الغطاء، الشيخ محمد رضا - الصفحة ٩٢
مواطن الإدراك والتصور وهذا معنى ما يوجد في بعض الروايات من إلقاء الرّوح عليه إلى حَقويه.
هذا والأخبار والأحاديث تدّل بصراحة ووضوح، إنّ عذاب البرزخ ونعيمه ليس كله واقعاً على الجسد، فمنها ما يدّل على وقوعه على الرّوح إلى يوم المعاد، ومنها ما يدّل على وقوعه على الجسد، ومنها ما يدّل على وقوعه عليهما. ولم أجد فيما ظفرت به من الأخبار والرّوايات حتى مرسلاتها وضعافها ما يدّل على استمرار العذاب على الجسد حتى المعاد، والجمع بينها لا يكون إلّا بما ذكرناه من أنّ عذاب القبر وثوابه لا يتجافى إلا بالموتة الناجزة، ثم يتحول الأمر إلى الرّوح وينصرف إليها وهي باقية مخزونة في علمه إلى يوم حشره سواء حنطنا الجسد فدام أعواماً وقروناً أم تلاشى من حيث كان ثم كما بدأ به يكون، ونعني بعذاب القبر ما يكون قبل الموتة الناجزة سواء قبرنا الميت أو أحرقناه[١] حتى صار رماداً تذروه الريّاح وبعذاب البرزخ ما يكون بين القيامة الصغرى والكبرى، وكلما نفرضه ونتصوره من وسائل الإهلاك والموت لابّد فيه من الموت التدريجي، والحياة لا يمكن أن تنطفئ مرّة واحدة كما ينطفئ السراج كما أشرنا إليه فعذاب القبر هو
[١] عادة إحراق الموتى تذكرها تواريخ القرون الأولى للبشر وهي عقيدة إلهية لبعض الأمم وقد شاعت في أوربا بدلًا عن الدفن وقد بلغ عدد الأماكن المعدة لهذا الغرض( ١٢٧) منها تسعون تقوم بأداء العمل الذي أنشأت من أجله ومن بينها ما يعد من الآثار الضخمة الفخمة في بنائها وأسبق الناس في إحراق جثث موتاهم الفرنسيون فقد بلغ عدد الجثث التي أحرقوها من أغسطس عام ١٨٨٩ إلى أخر عام ١٩٠٤ نحو ٧٣٣٣٠ جثة بالمكان المعد لذلك في باريس.