مجمع البيان في تفسير القرآن - ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٣٦٦
استوجبوا غضبا من الله (وضربت عليهم المسكنة) أي: الذلة لان المسكين لا يكون إلا ذليلا، فسمى الذلة مسكنة، عن أبي مسلم. وقيل: المراد به الفقر، لان اليهود أبدا يتفاقرون، وإن كانوا أغنياء. وقد ذكرنا تفسير ما بقي من الآية في سورة البقرة.
النظم: وجه اتصال الآية بما قبلها اتصال البشارة بالظفر، لما تقدم أمر المحاربة، لان الامر قد تقدم بإنكار المنكر. وقيل: إنه لما تقدم أن أكثرهم الفاسقون، اتصل به ما يسكن قلوب المؤمنين من عاديتهم، ويؤمن مضرتهم.
(* ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون [١١٣] يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصالحين [١١٤]).
اللغة: قيل في واحد آناء قولان أحدهما: إني مثل نحي [١]، والاخر: إني مثل معي، قال الشاعر:
حلو، ومر، كعطف القدح مرته، بكل إني قضاه الليل ينتعل [٢] وحكى الأخفش: أنو بالواو. والمسارعة: المبادرة، وهي من السرعة.
والفرق بين السرعة والعجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، وهي محمودة. وضدها الابطاء، وهو مذموم. والعجلة: هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، وهي مذمومة، وضدها الأناة، وهي محمودة.
النزول: قيل: سبب نزول هذه الآية: أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة، قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا شرارنا. فأنزل الله: (ليسوا سواء) إلى قوله: (من الصالحين) عن ابن عباس وقتادة وابن جريج. وقيل: إنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على عهد عيسى عليه السلام، فصدقوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن عطا.
المعنى: (ليسوا سواء) اختلفوا في تقديره، والقول الصحيح أن هذا وقف تام. وقوله: (من أهل الكتاب) ابتداء كلام، ومعناه: ليس الذين ذكرنا من أهل
[١] النحي بالكسر: الزق للسمن والجمع أنحاء.
[٢] وفي نسختين " حزاه " بدل " قضاه "