مجمع البيان في تفسير القرآن - ط مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - الشيخ الطبرسي - الصفحة ١٠٦
عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون [٢٣٠]).
الاعراب: موضع (أن) في قوله (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) جر بإضمار الجار وتقديره: في أن يتراجعا، عن الخليل والكسائي والزجاج. وقيل: وموضعه نصب، وهو اختيار الزجاج، وباقي النحويين. وموضع (أن) الثانية وهو (أن يقيما حدود الله): نصب بلا خلاف بظنا، وإنما جاز حذف في من (أن يتراجعا)، ولم يجز حذفه من المصدر الذي هو التراجع، لطول أن بالصلة، كما جاز الذي ضربت زيد لطول " الذي " بالصلة، ولم يجز في المصدر كما لم يجز في اسم الفاعل، نحو: زيد ضارب عمرو، ويريد ضاربه.
النزول: الزهري عن عروة عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة بن وهب القرظي إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة [١] الثوب، وانه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى ابن عمي؟ فتبسم رسول الله، وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسسيلتك [٢]، وتذوقي عسيلته! وفي قصة رفاعة وزوجته نزل: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره).
المعنى: ثم بين سبحانه حكم التطليقة الثالثة، فقال: (فإن طلقها) يعني التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر، وبه قال السدي والضحاك. وقيل: هو تفسير قوله (أو تسريح بإحسان)، عن مجاهد. وهذا على مذهب من جعل التسريح طلاقا. (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) أي: لا تحل هذه المرأة، أي: لا يحل نكاحها لهذا الرجل الذي طلقها، حتى تزوج زوجا غيره، ولجامعها.
واختلف. في ذلك فقيل: العقد علم بالكتاب، والوطء بالسنة، عن الجبائي. وقيل:
بل كلاهما علم بالكتاب، لأن لفظ النكاح يطلب عليهما، فكأنه قيل: حتى يتزوج ويجامعها الزوج. ولأن العقد مستفاد بقوله (زوجا غيره)، والنكاح مستفاد بقوله
[١] الهدبة واحدة الهدب: خمل الثوب وطرته. ويقال لها بالفارسية. " ريشة ".
[٢] كناية عن الجماع تشبيها بالعسل، وإنما صغرت إشارة إلى القدر الذي يحلل، ولو بغيبوبة
الحشفة.