تفسير سورة الفاتحة - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٧٤ - و نقول في الجواب عن هذه الأسئلة
و رابعا: إنه تعالى في خصوص هذه السورة التي لا بد أن نقرأها في صلاتنا عشر مرات على الأقل يوميا، يريد أن يجسد لنا الأسوة و القدوة واقعا حيا يمكن أن نترسم خطاه، و نهتدي بهديه.
و ذلك لأن الإنسان- بطبيعته- يتعامل مع الأمور من خلال حواسه الظاهرية بالدرجة الأولى، ثم ينتزع من القضايا المحسوسة قضايا تصورية، ثم يبحث عن قواسمها المشتركة و يسقط خصوصياتها، ليكتشف المبدأ و النظرية، و القاسم المشترك، و القاعدة.
و قد أراد سبحانه لنا هنا: أن يجسد لنا هديه و تعاليمه لننتقل من المضمون الواقعي و الحسي، الغني بالقيم و الجمالات، ليمثل لنا إغراء يدعونا إلى الاندفاع إليه، و الالتزام به، و التعاطي معه، من موقع الوعي، و المشاعر المرتكزة إلى مناشئها، فنكون أكثر اقتناعا، و أعمق إيمانا، و أشد تمسكا و التزاما به. حتى إننا لنضحي من أجله بالغالي و النفيس حين يقتضي الأمر ذلك.
أما إذا اقتصر على المضمون التصوري، و التخيلي التجريدي، فإن الاندفاع لن يكون بالمستوى المطلوب، بل سوف يعاني من حالات التردد و الخوف من جدوى أو من إمكانية و واقعية ما يطلب منه. و لن يكون في موقع الرضى و الثبات و الطمأنينة في الممارسة و في الموقف.