الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٤٤٠ - باب فى المثلين كيف حالهما فى الأصلية والزيادة وإذا كان أحدهما زائدا فأيهما هو
الأولى ، فصار التقدير به إلى صوياغ ، ثم وقع التغيير فيما بعد؟
قيل : يمنع من ذلك أن العرب إذا غيّرت كلمة عن صورة إلى أخرى اختارت أن تكون الثانية مشابهة لأصول كلامهم ومعتاد أمثلتهم. وذلك أنك تحتاج إلى أن تنيب شيئا عن شيء ، فأولى أحوال الثانى بالصواب أن يشابه الأوّل. ومن مشابهته له أن يوافق أمثلة القوم ، كما كان المناب عنه مثالا من مثلهم أيضا ؛ ألا ترى أن الخليل لمّا رتّب أمر أجزاء العروض المزاحفة ، فأوقع للزحاف مثالا مكان مثال عدل عن الأوّل المألوف الوزن إلى آخر مثله فى كونه مألوفا ، وهجر ما كان بقّته صنعة الزحاف من الجزء المزاحف مما كان خارجا عن أمثلة لغتهم ..
وذلك أنه لمّا طوى [١] (مس تف علن) فصار إلى (مس تعلن) ثناه إلى مثال معروف وهو (مفتعلن) لمّا كره (مستعلن) إذ كان غير مألوف ولا مستعمل. وكذلك لمّا ثرم [٢] (فعولن) فصار إلى (عول) وهو مثال غير معروف ، عدله إلى (فعل).
وكذلك لمّا خبل [٣] (مستفعلن) فصل إلى (متعلن) فاستنكر ما بقى منه ، جعل خالفة الجزء (فعلتن) ليكون ما صير إليه مثالا مألوفا ، كما كان ما انصرف عنه مثالا مألوفا.
ويؤكّد ذلك عندك أن الزحاف إذا عرض فى موضع فكان ما يبقى بعد إيقاعه مثالا معروفا لم يستبدل به غيره. وذلك كقبضه [٤] (مفاعيلن) إذا صار إلى (مفاعلن) ، وككفّه [٥] أيضا لمّا صار إلى (مفاعيل) فلمّا كان ما بقى عليه الجزء بعد زحافه مثالا غير مستنكر أقرّه على صورته ولم يتحشّم تصوير مثال آخر [غيره] عوضا منه ، وإنما أخذ الخليل بهذا لأنه أحزم ، وبالصنعة أشبه.
فكذلك لمّا أريد التخفيف فى صوّاغ أبدل الحرف الأول فصار من (صيواغ) إلى لفظ (فيعال) كغيداق وخيتام. ولو أبدل الثانى لصار (صوياغ) إلى لفظ (فعيال) ،
[١] الطىّ من أضرب الزحاف. وهو حذف الساكن الرابع من التفعيلة. وهو هنا الفاء.
[٢] الثرم فى (فعولن) : حذف فائه ـ ويسمى خرما ـ مع حذف نونه ـ ويسمى قبضا.
[٣] الخبل فى (مستفعلن) : حذف تائه بالخبن ، مع حذف فائه بالطى.
[٤] القبض : حذف الخامس الساكن ، وهو فى (مفاعيلن) حذف الياء.
[٥] الكف : سقوط السابع الساكن. وهو فى (مفاعيلن) : حذف النون.