الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٨ - جهود ابن جنى فى الكشف عن الدلالة الفنية للأصوات دراسة نظرية تطبيقية)
فما جاء عن الخليل فى ذلك قوله :
«كأنهم توهموا فى صوت الجندب استطالة ومدا فقالوا : (صر) ، وتوهموا فى صوت البازى تقطيعا فقالوا : (صرصر)» [١].
نلمح هنا إشارة الخليل إلى ما بين الفعل الثلاثى المضعف العين صر وبين معناه من التناسب من حيث بنية الصيغة ودلالتها على المعنى الإفرادى لتلك الكلمة ، فنحن نلاحظ أن تضعيف الراء الناشئ عن التشديد فيها ينتج عنه نوع من المط والاستطالة ينشأ عن سمة التكرارية التى تتسم بها الراء ، وهذا فى نهاية الكلمة يناسب ما فى صوت الجندب من مد واستطالة ؛ فالمناسبة هنا ظاهرة بين أصوات هذه الكلمة ومعناها الذى تدل عليه.
فإذا انتقلنا إلى كلام سيبويه فى هذا الموضع فإننا نجد أن سيبويه قد أصل سبق الخليل إلى هذا الباب ، فهو يقول :
«هذا باب «افعوعل» وما هو على مثاله مما لم نذكره. قالوا «خشن» ، وقالوا :
«اخشوشن» ، وسألت الخليل ، فقال : كأنهم أرادوا المبالغة والتوكيد ، كما أنه إذا قال «اعشوشبت الأرض» فإنما يريد أن يجعل ذلك كثيرا عاما قد بالغ» [٢].
لقد التفت الخليل وسيبويه هنا إلى أثر زيادة المبنى فى زيادة المعنى ، كما قد التفتا كذلك إلى الغرض من تلك الزيادة ، وهو هنا المبالغة والتوكيد ، وقد عقد سيبويه لذلك بابا فى كتابه وسماه «ما جاء على مثال واحد حين تقاربت المعانى» [٣].
ونحتاج أن نقف أمام بعض هذه المواضع لتأملها وبيان مدى وقوف سيبويه على هذه الظاهرة ، فلنتأمل على سبيل المثال قوله :
«ومن المصادر التى جاءت على مثال واحد حين تقاربت المعانى ، قولك «النزوان» ، و «النقذان» و «القفزان» ، وإنما هذه الأشياء فى زعزعة البدن واهتزازه فى ارتفاع ، ومثله
[١]ابن جنى الخصائص ، ٢ / ١٥٢ تحقيق د / محمد على النجار ، ط دار الهدى للطباعة والنشر بيروت لبنان س ١٩٥٨.
[٢]سيبويه / الكتاب ، ٢ / ٢٤١ / ط المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر المحمية ص ١٣١٧.
[٣]المرجع السابق ٢ / ٢١٩. وثمة مواضع أخر كثيرة فى كتابه انظر على سبيل المثال الكتاب ٢ / ٢١٤ ـ ٢١٦.