الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١١٨ - باب ذكر علل العربية أكلامية هى أم فقهية
هذه الحركة ، لا حذفها البتة ، وهو أضبط لهذا الأمر من غيره من القرّاء الذين رووه ساكنا. ولم يؤت القوم فى ذلك من ضعف أمانة ، لكن أتوا [١] من ضعف دراية. وأبلغ من هذا فى المعنى ما رواه من قول الراجز :
|
تى أنام لا يؤرقنى الكرى |
ليلا ولا أسمع أجراس المطى [٢] |
بإشمام القاف من يؤرقنى ، ومعلوم أن هذا الإشمام إنما هو للعين لا للأذن ، وليست هناك حركة البتة ، ولو كانت فيه حركة لكسرت الوزن ؛ ألا ترى أن الوزن من الرجز ، ولو اعتدّت القاف متحرّكة لصار من الكامل. فإذا قنعوا من الحركة بأن يومئوا إليها بالآلة التى من عادتها أن تستعمل فى النطق بها ، من غير أن يخرجوا إلى حسّ السمع شيئا من الحركة ، مشبعة ولا مختلسة ، أعنى إعمالهم الشفتين للإشمام فى المرفوع ، بغير صوت يسمع هناك ، لم يبق وراء ذلك شيء يستدلّ به على عنايتهم بهذا الأمر ؛ ألا ترى إلى مصارفتهم أنفسهم فى الحركة على قلتها ولطفها ، حتى يخرجوها تارة مختلسة غير مشبعة ، وأخرى مشمّة للعين لا للأذن.
ومما أسكنوا فيه الحرف إسكانا صريحا ما أنشده من قوله :
|
رحت وفى رجليك ما فيهما |
وقد بدا هنك من المئزر [٣] |
عن أبى عمرو ؛ فقد ذكر أن أبا عمرو كان يشمّ الهاء من «يهدى» والخاء من «يخصمون» شيئا من الفتح ، وهذا من اللطف بمكان. وانظر النشر ٢١٦ (نجار).
[١] يريد أن الإسكان لا وجه له فى العربية ، ولو كان القراء على دراية بذلك لترددوا فى رواية الإسكان. وقد أفاض العلماء فى بيان أن العرب قد تعمد للإسكان تخفيفا ، وأن تسكين المرفوع فى نحو «يشعركم» لغة لتميم وأسد ، فلا وجه للإنكار من جهة الدراية. وابن جنى فى الطعن على القراء فى هذا الموطن تابع للمبرد قبله. وهذه نزعة جانبهما فيها الإنصاف. انظر المرجع السابق. (نجار).
[٢]الرجز بلا نسبة فى جمهرة اللغة ص ٨٠١ ، وجواهر الأدب ص ٨٦ ، وخزانة الأدب ١٠ / ٣٢٣ ، والدرر ٢ / ١٨٥ ، والكتاب ٣ / ٩٥ ، ولسان العرب (أرق) ، (شمم) ، (مطا) ، والمنصف ٢ / ١٩١ ، وتاج العروس (أرق) ، (شمم) ، (مطا). الكرىّ : المكارى ، الذى يكريك دابته ، والجمع أكرياء ، بشد الياء خففها للضرورة.
[٣]البيت من السريع ، وهو للأقيشر الأسدىّ فى ديوانه ص ٤٣ ، وخزانة الأدب ٤ / ٤٨٤ ، ٤٨٥ ، ٨ / ٣٥١ ، والدرر ١ / ١٧٤ ، وشرح أبيات سيبويه ٢ / ٣٩١. والمقاصد النحوية ٤ / ٥١٦ ، ١ / ٦٥ ، ٢ / ٣١ ، وتخليص الشواهد ص ٦٣ ، والكتاب ٤ / ٢٠٣ ، ورصف المبانى ص ٣٢٧ ، وشرح المفصّل ١ / ٤٨ ، ولسان العرب (وأل) ، (هنا) ، وهمع الهوامع ١ / ٥٤).