الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٩٨ - باب القول على أصل اللغة إلهام هى أم اصطلاح
اختلف أنفس الأصوات المرتبة على مذاهبهم فى المواضعات. وهذا قول من الظهور على ما تراه. إلا أننى سألت يوما بعض أهله [١] ، فقلت : ما تنكر أن تصحّ المواضعة من الله تعالى؟ وإن لم يكن ذا جارحة ، بأن يحدث فى جسم من الأجسام ، خشبة أو غيرها ، إقبالا على شخص من الأشخاص ، وتحريكا لها نحوه ، ويسمع فى نفس تحريك الخشبة نحو ذلك الشخص صوتا يضعه اسما [٢] له ، ويعيد حركة تلك الخشبة نحو ذلك الشخص دفعات ، مع أنه ـ عزّ اسمه ـ قادر على أن يقنع فى تعريفه ذلك بالمرة الواحدة ، فتقوم الخشبة فى هذا الإيماء ، وهذه الإشارة ، مقام جارحة ابن آدم فى الإشارة بها فى المواضعة ؛ وكما أن الإنسان أيضا قد يجوز إذا أراد المواضعة أن يشير بخشبة نحو المراد المتواضع عليه ، فيقيمها فى ذلك مقام يده ، لو أراد الإيماء بها نحوه؟ فلم يجب عن هذا بأكثر من الاعتراف بوجوبه ، ولم يخرج من جهته شيء أصلا فأحكيه عنه ؛ وهو عندى [٣] وعلى ما تراه الآن لازم لمن قال بامتناع مواضعة القديم تعالى لغة مرتجلة [٤] غير ناقلة لسانا إلى لسان. فاعرف ذلك.
وذهب بعضهم إلى أنّ أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات ، كدوىّ الريح ، وحنين الرعد ، وخرير الماء ، وشحيج الحمار ، ونعيق الغراب ،
ـ وفى نقد النثر ٢٦ : «ومن الظن العيافة والقيافة والزجر والكهانة واستخراج المعمى والمترجم من الكتب». وفيه فى ص ٢٨ : «ألا ترى أنك تظنّ بالترجمة أنها حروف ما ، فإذا أدرتها فى سائر المواضع التى تثبت صورها فيها وامتحنتها فوجدتها مصدّقة لظنك حكمت بصحتها ، وإذا خالفت علمت أن ظنك لم يقع موقعه ، فأوقعته على غير تلك الحروف إلى أن تصح لك». (نجار).
[١]هم المعتزلة. انظر المزهر ص ١٢ ج ١ ، وينسب هذا المذهب إلى أبى هاشم الجبائى عبد السلام بن محمد من رءوس المعتزلة. وكانت وفاته سنة ٣٢١. وانظر المزهر ١٠ / ١.
[٢] أى الشخص المراد وضع الاسم له. والشخص : سواد الإنسان وغيره ، والذى يفهم التسمية بالضرورة غير الشخص المسمى.
[٣] العبارة فى المزهر : «وهذا عندى على ما تراه الآن لازم».
[٤] قيد بهذا لأن هذا موضع المنع عند القائلين به ، فهم إنما ينكرون أن يواضع البارئ لغة مرتجلة ، فأما أن يواضع لغة ثابتة من قبل بأن ينقلها إلى لغة أخرى فيقول : ما تعبرون عنه بكذا عبروا بكذا فلا شيء فيه كما سبق له. (نجار).