الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ٢٥٥ - باب فى أن العرب قد أرادت من العلل والأغراض ما نسبناه إليها وحملناه عليها
أوّل الكتاب من لطف الحسّ وصفائه ، ونصاعة جوهر الفكر ونقائه ، لم يؤتوا هذه اللغة الشريفة ، المنقادة الكريمة ، إلا ونفوسهم قابلة لها ، محسّة لقوّة الصنعة فيها ، معترفة بقدر النّعمة عليهم بما وهب لهم منها ؛ ألا ترى إلى قول أبى مهديّة [١] :
|
يقولون لى : شنبذ ، ولست مشنبذا |
طوال الليالى ما أقام ثبير |
|
|
ولا قائلا : زوذا ليعجل صاحبى |
وبستان فى صدرى علىّ كبير |
|
|
ولا تاركا لحنى لأحسن لحنهم |
ولو دار صرف الدهر حيث يدور |
|
وحدّثنى المتنبى شاعرنا ـ وما عرفته إلا صادقا ـ قال : كنت عند منصرفى من مصر فى جماعة من العرب ، وأحدهم يتحدّث. فذكر فى كلامه فلاة واسعة ، فقال : يحير فيها الطرف ، قال : وآخر منهم يلقّنه سرّا من الجماعة بينه وبينه ، فيقول له : يحار يحار. أفلا ترى إلى هداية بعضهم لبعض ، وتنبيهه إيّاه على الصواب.
وقال عمّار [٢] الكلبىّ ـ وقد عيب عليه بيت من شعره ؛ فامتعض لذلك ـ :
|
ما ذا لقينا من المستعربين ومن |
قياس نحوهم هذا الذى ابتدعوا |
|
|
إن قلت قافية بكرا يكون بها |
بيت خلاف الذى قاسوه أو ذرعوا |
|
|
قالوا لحنت ، وهذا ليس منتصبا |
وذاك خفض ، وهذا ليس يرتفع |
|
|
وحرّضوا بين عبد الله من حمق |
وبين زيد فطال الضرب والوجع |
|
|
كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم |
وبين قوم على إعرابهم طبعوا |
|
|
ما كلّ قولى مشروحا لكم ، فخذوا |
ما تعرفون ، وما لم تعرفوا فدعوا |
|
|
لأن أرضى أرض لا تشبّ بها |
نار المجوس ولا تبنى بها البيع [٣] |
[١] فى المعرّب للجواليقىّ ص ٩ نسبته لأبى المهدىّ ، وكذا هو فى مجالس ابن حنزابة ونصه : «كان أبو مهدىّ هذا ـ وهو من باهلة ـ يضرب حنكيه يمينا وشمالا ...» ، وكذا هو «أبو مهدى» فى ذيل الأمالى ٣٩. وفى السمط ٢١ أن الصواب : «أبو مهدية» كما فى فهرست ابن النديم ٤٩ والمرزبانى ١٨٥. وهو صاحب قصة فى اللسان (خسا) باسم أبى مهدية. (نجار).
[٢]هذا الشعر فى معجم الأدباء فى ترجمة ابن جنى ١٢ / ١٠٣ ، وفيه : «عمرو» بدل «عمار». (نجار).
[٣] الأول منهم بلا نسبة فى اللسان (عرب) والتاج (عرب).