الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٧٨ - باب فى تخصيص العلل
باب فى تخصيص العلل [١]
اعلم أن محصول مذهب أصحابنا ومتصرّف أقوالهم مبنىّ على جواز تخصيص العلل. وذلك أنها وإن تقدّمت علل الفقه فإنها أو أكثرها إنما تجرى مجرى التخفيف والفرق ، ولو تكلّف متكلّف نقضها لكان ذلك ممكنا ، ـ وإن كان على غير قياس ـ ومستثقلا ؛ ألا تراك لو تكلّفت تصحيح فاء ميزان ، وميعاد ، لقدرت على ذلك ، فقلت : موزان ، وموعاد. وكذلك لو آثرت تصحيح فاء موسر ، وموقن ، لقدرت على ذلك فقلت : ميسر ، وميقن. وكذلك لو نصبت الفاعل ، ورفعت المفعول ، أو ألغيت العوامل : من الجوارّ ، والنواصب ، والجوازم ، لكنت مقتدرا على النطق بذلك ، وإن نفى القياس تلك الحال. وليست كذلك علل المتكلّمين ؛ لأنها لا قدرة على غيرها ؛ ألا ترى أن اجتماع السواد والبياض فى محلّ واحد ممتنع لا مستكره ، وكون الجسم متحرّكا ساكنا فى حال واحدة فاسد. لا طريق إلى ظهوره ، ولا إلى تصوّره. وكذلك ما كان من هذا القبيل. فقد ثبت بذلك تأخّر علل النحويين عن علل المتكلمين ، وإن تقدّمت علل المتفقّهين. ثم اعلم من بعد هذا أن علل النحويين على ضربين :
أحدهما ما لا بدّ منه ، فهو لا حق بعلل المتكلمين ، وهو قلب الألف واوا لانضمام ما قبلها ، وياء لانكسار ما قبلها ؛ نحو ضورب ، وقراطيس ، وقد تقدّم ذكره. ومن ذلك امتناع الابتداء بالساكن ؛ وقد تقدّم ما فيه.
ثم يبقى النظر فيما بعد ، فنقول : إن هذه العلل التى يجوز تخصيصها ، كصحة الواو إذا اجتمعت مع الياء ، وسبقت الأولى منهما بالسكون ؛ نحو حيوة ، وعوى الكلب عوية ، ونحو صحّة الواو ، والياء ، فى نحو غزوا ، ورميا ، والنزوان ، والغليان ، وصحّة الواو فى نحو اجتوروا ، واعتونوا ، واهتوشوا ، إنما اضطرّ القائل
[١] تخصيص العلة : هو تخلف الحكم عن الوصف المدّعى عليه فى بعض الصور لمانع ، فيقال : الاستحسان ليس من باب خصوص العلل يعنى ليس بدليل مخصص للقياس بل عدم حكم القياس لعدم العلة. التعريفات ص ٥٤.