الخصائص - أبو الفتح عثمان بن جنّي - الصفحة ١٠٩ - باب ذكر علل العربية أكلامية هى أم فقهية
وراءه. ويزيد فى بيان ذلك أنك تقول فى الوقف النفس ، فتجد السين أتمّ صوتا من الفاء ، فإن قلبت فقلت : النّسف وجدت الفاء أتمّ صوتا ، وليس هنا أمر يصرف هذا إليه ، ولا يجوز حمله عليه ، إلا زيادة الصوت عند الوقوف على الحرف البتّة.
وهذا برهان ملحق بالهندسى فى الوضوح والبيان.
فقد وضح إذا بما أوردناه وجه خفّة الثلاثيّ من الكلام ، وإذا كان كذلك فذوات الأربعة مستثقلة غير متمكّنة تمكّن الثلاثى ؛ لأنه إذا كان الثلاثيّ أخفّ وأمكن من الثنائى ـ على قلة حروفه ـ فلا محالة أنه أخفّ وأمكن من الرباعى لكثرة حروفه.
ثم لا شكّ فيما بعد ، فى ثقل الخماسى ، وقوة الكلفة به. فإذا كان كذلك ثقل عليهم مع تناهيه ، وطوله ، أن يستعملوا فى الأصل الواحد جميع ما ينقسم إليه به جهات تركيبه. ذلك أن الثلاثيّ يتركب منه ستة أصول ؛ نحو : جعل ، جلع ، عجل ، علج ، لجع ، لعج. والرباعى يتركب منه أربعة وعشرون أصلا ؛ وذلك أنك تضرب الأربعة فى التراكيب التى خرجت عن الثلاثى وهى ستة ؛ فيكون ذلك أربعة وعشرين تركيبا ، المستعمل منها قليل ، وهى : عقرب ، وبرقع ، وعرقب ، وعبقر ، وإن جاء منه غير هذه الأحرف فعسى أن يكون ذلك ، والباقى كله مهمل.
وإذا كان الرباعىّ مع قربه من الثلاثيّ إنما استعمل منه الأقل النزر ، فما ظنك بالخماسىّ على طوله وتقاصر الفعل الذى هو مئنة [١] من التصريف والتنقّل عنه.
فلذلك قلّ الخماسى أصلا. نعم ثم لا تجد أصلا مما ركّب منه قد تصرّف فيه بتغيير نظمه ونضده ، كما تصرف فى باب عقرب ، [وبرقع][٢] ، وبرقع ؛ ألا ترى أنك لا تجد شيئا من نحو سفرجل قالوا فيه سرفجل ولا نحو ذلك ، مع أن تقليبه يبلغ به مائة وعشرين أصلا ، ثم لم يستعمل من جميع ذلك إلا سفرجل وحده. فأما قول بعضهم زبردج [٣] ، فقلب لحق الكلمة ضرورة فى بعض الشعر ولا يقاس. فدلّ ذلك على استكراههم ذوات الخمسة لإفراط طولها ، فأوجبت الحال الإقلال منها ، وقبض اللسان عن النطق بها ، إلا فيما قلّ ونزر ؛ ولما كانت ذوات الأربعة تليها ،
[١] يقال : إنه لمئنّة أن يفعل ذلك. وفى حديث ابن مسعود : إن طول الصلاة وقصر الخطبة مئنّة من فقه الرجل ، أى بيان منه.
[٢] برقع ـ بكسر الأول والثالث ـ : السماء السابعة. اللسان (برقع).
[٣] الزّبرجد والزّبردج : الزّمرّد. اللسان (زبرجد).