دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٧١ - ثالثا قصة الطوفان اليهودية كما ترويها التوراة
كذلك ـ رغم أن دعوة موسى عليهالسلام كانت دعوة توحيد ، وأن كليم الله دعا إلى عبادة الله الواحد الأحد ـ أن توراة اليهود المتداولة اليوم ، لا تقدم لنا بين صفحاتها ما يتفق ودعوة الوحدانية ، وتنزيه الله ـ جل وعلا ـ عن صفات البشر [١].
وإلا فهل من التوحيد ـ الذي يريد لنا الدكتور إلدر أن نفهمه من توراة اليهود ـ أن يوصف الله ـ جل وعلا ـ بالحزن والأسف لخلقه الإنسان ، كما جاء في سفر التكوين [٢] (٦ : ٦ ـ ٧) ، وهل من التوحيد أن يكون لله ـ جل جلاله ـ أولاد منذ بدء الخليقة ، وأنهم قد فتنوا بجمال بنات الناس ، «فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا» ، ثم تحدر من هؤلاء وأولئك نسل رزقه الله بسطة في الجسيم ، وهم الجبابرة الذين سكنوا في الأرض قبل الطوفان [٣] ، وهل من التوحيد أن تكون قوس قزح [٤] التي تظهر في الأفق غبّ المطر ، أنشأها الله لتكون تذكرة له بألا يعود إلى إغراق الأرض أبدا [٥] ، وهل من التوحيد أن يوصف الله ـ سبحانه وتعالى ـ في التوراة [٦] ، بأن نفسه ترتاح من رائحة الدخان المتصاعد من المحرقات ، وأنه يغضب كل الغضب إذا لم تقدم له في الصورة التي يرتضيها [٧].
[١] راجع في ذلك صفات الله ـ سبحانه وتعالى ـ كما تقدمها التوراة (كتابنا إسرائيل ص ٥٧ ـ ٦٩).
[٢] لبيان أمثلة كثيرة ترددت في التوراة في هذا الصدد انظر كتابنا «اسرائيل» ص ٦٤ ـ ٦٥.
[٣] تكوين ٦ : ١ ـ ٥.
[٤] و «قزح» هذا من أسماء الشيطان ، ولهذا فقد نهى الحبيب المصطفى ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ عن هذه التسمية ، مؤثرا تسميتها بقوس الله (راجع ص ٤١ من كتاب محنة التوراة على أيدي اليهود لمؤلفه عصام حفني ناصف).
[٥] تكوين ٩ : ١٣ ـ ١٥.
[٦] تكوين ٨ : ٢٠ ـ ٢١ ، لاويون ١ : ١ ـ ٩ ، ١٠ : ١ ـ ٢ ، وكذلك إبراهيم خليل : إسرائيل والتلمود ص ٨٦ ، ٨٧.
[٧] ويرد القرآن الكريم على مزاعمهم هذه بقوله تعالى : «لَنْ يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها ، وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ ، كَذلِكَ سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ» (الحج : آية ٣٧) وإذ يقول عزوجل في هدي الحج من الأنعام : «فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْبائِسَ الْفَقِيرَ» (الحج : آية ٢٨).