دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٩٨ - الفصل الثالث قصة الطوفان في القرآن الكريم
حدثنا أن نوحا كان رسولا من رب العالمين ، وأنه قضى من الزمن ما شاء الله له أن يقضي في دعوة قومه إلى عبادة الله الواحد القهار ، وأن الله ـ جل وعلا ـ لم يأت بالطوفان إلا بعد أن تحمل النبي الكريم في دعوته كل صنوف الأذى والاضطهاد ، وإلا بعد أن جرّب نبي الكريم كل سبل الإقناع ، دونما أية نتيجة ، «قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلَّا فِراراً ، وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْباراً ، ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً ، ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً ، فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً» [١] ، وإلا بعد أن يئس النبي الكريم من أن يؤمن به قومه ، فدعا «رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً» [٢] ، وإلا بعد أن أوحى الله إليه «أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ» [٣] ، وهكذا اتبع نبي الله الكريم كل ما يمكن اتباعه تصديقا لقوله تعالى : «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً» [٤]
ومنها (ثانيا) أن الناجين من الطوفان في القصة القرآنية ، إنما نجو لأنهم آمنوا بالله العزيز الحكيم ، وصدقوا بدعوة نوح عليهالسلام ، بعكس النصوص الأخرى التي جعلت نجاتهم إنما ترجع إلى أنهم من أهل بطل القصة وذوي قرباه ، ويزيد القرآن الكريم الأمر وضوحا في هذه النقطة بالذات ، فيقص علينا ـ من بين ما يقص من أحداث ـ ما حدث مع ابن نوح ، وكيف كان من الغارقين ، ثم كيف «نادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ، قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ، فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ، قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ» [٥]. وهكذا يبدو واضحا المبدأ القرآني العظيم «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ» ، «وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» ، «فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» [٦].
[١] سورة نوح : آيات ٥ ـ ١٠.
[٢] سورة نوح : آية ٢٦ ، ٢٧.
[٣] سورة هود : آية ٣٦.
[٤] سورة الإسراء : آية ١٥.
[٥] سورة هود : آيات ٤٥ ـ ٤٧.
[٦] سورة الزلزلة : آية ٧ ، ٨.