دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ١١٩ - (١) موقف إبراهيم
وهكذا استحق إبراهيم عليهالسلام ، بصفاء فطرته وخلوصها للحق ، أن يكشف الله لبصيرته عن الأسرار الكامنة في الكون ، والدلائل الموحية بالهدى في الوجود ، قال تعالى : (وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) ، وبمثل هذه الفطرة السليمة ، وهذه البصيرة المفتوحة ، وعلى هذا النحو من الخلوص للحق ، ومن إنكار الباطل في قوة ، نرى إبراهيم حقيقة هذا الملك ، ملك السماوات والأرض ، ونطلعه على الأسرار المكنونة في صميم الكون ، ونكشف له عن الآيات المبثوثة في صحائف الوجود ، ونصل بين قلبه وفطرته وموحيات الإيمان ودلائل الهدى في هذا الكون العجيب ،لينتقل من درجة الإنكار على عبادة الآلهة الزائفة،إلى درجة اليقين الواعي بالإله الحق [١].
وبديهي أن من يكن هذا مقامه ، لا يعقل بحال من الأحوال ، أن يرى الكوكب فيقول : هذا ربي ، عن عقيدة ، فإبراهيم الخليل لأرشد من أن يعتقد ذلك ، قال الزجاج : هذا الجواب عندي خطأ وغلط ممن قاله ، وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال : «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ» ، وقال عزوجل : (بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) أي لم يشرك قط ، قال : والجواب عندي أنه قال «هذا ربي» على قولكم ، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر ، ونظير هذا قوله تعالى : (أَيْنَ شُرَكائِيَ) ، وهو جلا وعلا واحد لا شريك له ، والمعنى : أين شركائي على قولكم [٢].
ومن العجيب ، كما يقول صاحب تفسير المنار ، أن ابن جرير اختار هذا القول ، مع تقريره القول المقابل له على أحسن وجه ، وهو الذي جزم به الجمهور ، من أنه كان مناظرا لقومه [٣] ، وقد احتج ابن جرير أولا بالرواية ،
[١] في ظلال القرآن ٢ / ١١٣٩.
[٢] تفسير القرطبي ص ٢٤٦١.
[٣] قال أبو جعفر في تفسيره (١١ / ٤٨٣ ـ ٤٨٤) : وأنكر من غير أهل الرواية هذا القول الذي ـ