دراسات تاريخيّة من القرآن الكريم - محمد بيومي مهران - الصفحة ٧٤ - الفصل الثالث قصة الطوفان في القرآن الكريم
يوسف ، وكذا قصة إسماعيل عليهاالسلام ، فقصة يوسف قصة إنسان قد تمرس منذ طفولته بآفات الطبائع البشرية ، من حسد الإخوة إلى غواية المرأة إلى ظلم السجن ، إلي تكاليف الولاية وتدبير المصالح في إبان الشدة والمجاعة ، وقصة إسماعيل تتخللها هذه التجارب الإنسانية من عهد الطفولة كذلك ، فيصاب بالغربة المنقطعة عن العشيرة وعن الزاد والماء ، وإن كان الأخطر من ذلك كله أن تكتب عليه التجارب الإنسانية ضريبة الفداء ، وهي في مفترق الطرق بين الهمجية التي كانت ـ في معظم مجتمعات الشرق القديم ـ لا تتورع عن الذبائح البشرية ، وبين الإنسانية المهذبة التي لا تأبى الفداء بالحياة ، ولكنها تتورع عن ذبح الإنسان ، ثم يكتب لهذا الغلام الوحيد بواد غير ذي زرع عند البيت المحرم ، أن تنمي إليه أمة ذات شعوب وقبائل تتحول على يديها تواريخ العالم على مدى الأيام [١].
على أن أبرز قصص الأنبياء في القرآن الكريم قصتان مسهبتان في أجزائه لأنهما ترويان نبأ الرسالة بين أعرق أمم الحضارة الإنسانية ، وهما أمة وادي النهرين وأمة وادي النيل ، ومن أجل ذلك كانت قصة إبراهيم وموسى عليهماالسلام أو فى القصص بين جميع قصص الأنبياء ، وكانت الثورة فيهما على ضلال العقل في العبادة جامعة لأكثر العبادات المستنكرة في الزمن القديم [٢].
وفي قصة نوح ـ عليهالسلام ـ نرى كيف ينقاد الجهلاء للأمر والسطوة ، ولا ينقادون للحجة والدليل ، ويريدون من صاحب الدعوة أن يكون ملكا ، أو تكون عنده خزائن الأرض ، ويقولون له «قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين» [٣] ، كما نرى كذلك أن المسيطرين على أقدار القوم يكرهون التغيير ، ويتشبثون بالقديم ، ويأخذون على النبي الكريم أن يتبعه أناس من غير ذوي السيادة والجاه «وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي ، وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين» [٤].
[١] عباس العقاد : الإسلام دعوة عالمية ـ القاهرة ١٩٧٠ ص ٢١٨ ـ ٢١٩ ، وانظر كذلك قصة التضحية البشرية في كتابنا إسرائيل ص ٢٠٧ ـ ٢٠٩ ، قصة يوسف في مصر ص ٢٢٥ ـ ٢٤٥.
[٢] عباس العقاد : المرجع السابق ص ٢١٨.
[٣] سورة هود : آية ٣٢.
[٤] سورة هود : آية ٢٧.