الشفاء المنطق (جلد اول)

الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٧

للأجناس العليا لا يدنيها منه أكثر من غيرها، و ذلك لأنه يعنى بالمعانى الكلية على اختلافها، و دارسه يستطيع الانتقال من الألفاظ المفردة إلى القضايا و أقسامها، ثم إلى القياسات و التحديدات و أصنافها، دون أن يشعر بأي فراغ أو نقص. حقا إنا نستطيع أن نستعين بالمقولات فى صناعة التحديد، لأن معرفة خصائص كل مقولة تعين على تعريف ما يدخل تحتها، و لكن هذا لا يقتضى أن نفرد لها بحثا مستقلا، و فى الإمكان إلحاقها بنظرية التعريف نفسها[١].

و أنّى لنا أن ندرس المقولات فى المنطق، و درسها يتطلب أن نعرف خواص كل منها، و أنها عشر لا محالة، و أنها غير متداخلة، و أن الأولى جوهر و التسعة الباقية أعراض له. و كل ذلك لا يعين المنطق على فهمه فى شى‌ء، و إن ذكر فيه فإنما يذكر على أنه فروض مسلمة لا دليل عليها، و بيانات مجتلبة من علوم أخرى ما أجدرها أن تبقى فيها، و ذكرها لا يخلو من الخلط و التشويش‌[٢].

و لا يغير الموقف فى شى‌ء أن يقال إنها تدرس هنا من حيث دلالة الألفاظ المفردة عليها، لأن البحث فى الألفاظ لذاتها من صناعة اللغويين. على أن الدال و المدلول مقترنان، و لا سبيل إلى فهم اللفظ دون فهم معناه. و إصرار بعض الشراح على أن المقولات من ناحية دلالة الألفاظ عليها بحث منطقى تكلف بحت أدى إلى كثير من التبلد و التحير[٣].


[١] المصدر السابق، ص ٤- ٦

[٢] المصدر السابق، ص ٦- ٧

[٣] المصدر السابق، ص ٧- ٨