خزانة الأدب و غاية الإرب - ابن حجة الحموي - الصفحة ٢٢٦ - «الكافية البديعية في المدائح النبوية»
على بديعيّة الصفيّ و عارضها [١] ، إلاّ أنّ بديعيّته قد اتّصفت بما اتّصفت بها بديعية الصفيّ من مميّزات، لم لا، و مصدر المعارضة واحد؟فكلاهما عارض البوصيريّ، فاستراح من البحث عن بحر و قافية و موضوع لقصيدته، و أمّا لما ذا جعل مدحته هذه تشتمل على الفنون البديعية، فلعلّه تأثر بقصيدة الإربليّ الذي جمع بعض فنون البديع في منظومة غزليّة، فرأى أنّه من الأفضل أن يلتقي «البديع» و «المديح النبويّ» في قصيدة واحدة، آخذا بطابع التأليف الطاغي على عصره في الصنعة و البديع.
و لعلّ ابن جابر قد نظم بديعيته و في ذهنه أمران: أوّلهما مدح «النبي» (صلى اللّه عليه و سلم) ، و التقرّب من اللّه تعالى بمدحه. و الثاني: نظم أنواع البديع ضمن هذه القصيدة، لتخرج فريدة في نوعها، بديعة في مضمونها، يقترن فيها الجانب الوجداني بالجانب العلميّ في قالب فنّيّ طريف، كما أنّه لا ينسى أن عصر ابن جابر هو عصر المنظومات التعليمية التي قدّمت قواعد العلوم و الفنون في قالب شعريّ، تسهيلا لحفظها [٢] ، و إن كانت شعرا جامدا خاليا من العاطفة، إلاّ أنّ ابن جابر قد تخلّص من هذا الجمود بمقدرته الشعريّة و استطاع أن يقدّم قصيدة فيها من الإحساس و العاطفة بقدر ما فيها من قضايا علمية.
و قد التقى ابن جابر مع صفيّ الدين في كثير من صفات بديعيّته، كوضوح المعاني و سلاسة الألفاظ، و عدم التكلّف، و صدق الإحساس الوجدانيّ، و في عدم الالتزام بتسمية النوع البديعيّ في البيت، و لكنه خالفه من جهة عدم الإكثار من المحسّنات في قصيدته، جاريا فيها على طريقة بدر الدين بن مالك من حيث تقديم المحسّنات اللفظيّة على المعنويّة.
و تقع بديعية ابن جابر في مائة و سبعة و سبعين بيتا، ضمّنها من أنواع البديع كلّ ما ذكره الخطيب القزوينيّ في «إيضاحه» و «تلخيصه» ، و التزم بذكر هذه الأنواع و نظمها كما أوردها القزوينيّ، إلاّ أنه خالفه في تقديم القسم المتعلّق بالألفاظ على القسم المتعلق بالمعاني من الأنواع البديعيّة.
[١] و قد سبق الحديث عن هذه البديعية في الفصل الثاني أثناء الكلام على نشأة البديعيات، حيث تمّ الفصل بينها و بين بديعية الصفي بأسبقية هذه عليها.
[٢] و قد نظم ابن جابر نفسه منظومة تعليمية أخرى تتضمن «فصيح» ثعلب. (مقدمة الحلة السيرا ص ١٣) .