توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد - الطهراني، آقا بزرك - الصفحة ٨١ - الاجتهاد عند السنة
إلى جميع أصحابه، لكونهم جميعا موصوفين بالعدالة [١] بالغين حد
[١] إن موضوع عدالة الصحابة من المواضيع الحساسة التي شغلت جانبا مهما من أبحاث علم الحديث و الرجال، و قد ذهب جمهور أبناء العامة إلى أن جميع الصحابة عدول و لا ينبغي أن تنالهم يد الجرح و التعديل كما تنال غيرهم من المسلمين.
قال الغزالي في المستصفى:" و الذي عليه السلف و جماهير الخلف أن عدالتهم معلومة بتعديل الله عز و جل إياهم و ثناؤه عليهم في كتابه و هو معتقدنا فيهم، إلا أن يثبت بطريق قاطع ارتكاب واحد لفسق مع علمه به و ذلك مما لم يثبت! فلا حاجة لهم إلى التعديل،" (المستصفى ص ٢٠٤).
و من السنة من يرى جواز جرحهم و تعديلهم كغيرهم من المسلمين و لا تؤثر الصحبة من ذلك مطلقا، و لكنهم لا يمثلون إلا أنفسهم في هذه العقيدة.
هذا و قد ذهب بعض المعتزلة إلى أن الصحبة كانت مؤثرة حتى وقوع الفتنة و الخلاف بينهم و إراقة الدماء.
و مهما يكن من أمر فإن جمهور السنة يرون عدالة الصحابة بصورة مطلقة فهم لا يحتاجون إلى الجرح و التعديل.
هذا، و لكن من كان له أقل إلمام و تأمل في تاريخ حياة الرسول (صلى الله عليه و آله) و الصحابة و الآيات التي نزلت في بعضهم تؤكد نفاقهم أو إيذاءهم للرسول (صلى الله عليه و آله) أو تخلفهم عن أوامر الله تعالى، لا يبقى له أدنى شك في أنه كان في الصحابة من لا يشك في فسقه، كيف لا و قد صرح الذكر الحكيم بتفسيقه إذ قال تعالى:" إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ" (٦ الحجرات).
و قد صرح أيضا بأن منهم" الكاذبون" حيث قال تعالى:" لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ، وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ" (٤١- ٤٢ التوبة).
و قال أيضا حول بعضهم:" وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ، إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ، وَ يَتَوَلَّوْا وَ هُمْ فَرِحُونَ" (٤٩- ٥٠ التوبة).
و قال مخاطبا لبعضهم:" قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ، وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَ هُمْ كُسالى، وَ لا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَ هُمْ كارِهُونَ" (٥٣- ٥٤ التوبة).
هذا قليل من كثير من الآيات التي نزلت حول بعض الصحابة فقلما تجد سورة لم يذكرهم الله تعالى بآية أو آيات، فهل من الإنصاف أن نترك هذه التصريحات القرآنية و نلتزم بعدالة جميع الصحابة؟! و قد يقال: إن هذه الآيات نزلت في المنافقين! عجبا فهل ميزتم المنافقين عن سائر الصحابة و أفردتموهم و عرفتموهم للناس كي لا يشتبه عليهم الأمر؟ فلما ذا يقولون إذن: لا ينبغي أن تنالهم يد الجرح و التعديل؟ و لله در الأستاذ محمود أبو رية في كتابه" أضواء على السنة المحمدية" ص ٣١٨ حيث قال:". و لو نفعت الصحبة نحو بشر بن مروان على فرض الثبوت أو الوليد لتبين لنا أن الصحبة لا يضر معها عمل غير الكفر فتكون الصحبة أعظم من الإيمان، و يكون هذا أخص من مذهب مقاتل و أتباعه من المرجئة، ثم أين أحاديث"
لا تدري ما ذا أحدثوا بعدك
" و هي متواترة المعنى بل لو ادعي في بعضها تواتر اللفظ لساغ ذلك، و المدعون للسنة ادعوا الصحبة أو ثبوتها لمن لم يقض له بها دليل، و فرعوا عليها ما ترى ثم بنوا الدين على ذلك، أ لم يقل الله" إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا" في رجل متيقن صحبته و لم تزل حاله مكشوفة مع الصحبة، و منهم من شرب الخمر و ما لا يحصى مما سكت عنه رعاية لحق النبي (صلى الله عليه و آله) ما لم يلجئ إليه ملجئ ديني فيجب ذكره.
و من أعظم الملجآت ترتيب شيء من الدين على رواية مروان و الوليد و غيرهما فأيهما أعظم خيانة لدين الله و مخالفة لصريح الآية الكريمة و النقمة بذلك لا يعود على جملة الصحابة بالنقص، بل هو تزكية لهم فإياك و الاغترار".
و للتوسع في ذلك راجع كلا من: أضواء على السنة المحمدية للأستاذ محمود أبو رية ٣١٠، دراسات في الحديث و المحدثين للأستاذ هاشم معروف الحسيني ٧١.