مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٣٥٥ - التعيين و التخيير الشرعي
مرّ من أنّ الواجب المطلق والواجب المقيّد متباينان بحدّهما الإطلاقي والتقييدي، لكنّ العبرة بذات المحدود، وهو مردّد بين الأقلّ والأكثر، فالعلم الإجمالي على هذا المبنى منحلّ حقيقة.
إلاّ أنـّه ناقش في هذا الانحلال المحقّق النائيني
[١]; لأنّه فرض مشروطيّة هذه الوجوبات في مرحلة البقاء دون الحدوث، وأنّ كلّ عِدْل من الوجوبات التخييرية واجب ما لم يأتِ بالآخر، فذكر في المقام: أنـّه لو صام مثلاً فقد شكّ في سقوط وجوب العتق عنه، لا في أصل حدوثه، والبراءة إنّما تجري في الشكّ في أصل حدوث التكليف، وأمـّا مرحلة السقوط فهي مرحلة الاشتغال لا البراءة.
ويرد عليه:
أوّلاً: أنّنا لا نساعد على أن يفرض جزميّاً كون الاشتراط في مرحلة البقاء، بل لا أقلّ من احتمال كونه في مرحلة الحدوث، فمن صام مثلاً كشف ذلك عن عدم وجوب العتق عليه من أوّل الأمر، ولو بنحو الشرط المتأخّر.
وثانياً: هبّ أنّنا سلّمنا أنّ الاشتراط يكون في مرحلة البقاء، فيقع الشكّ في سقوط التكليف وبقائه، لا في حدوثه وعدم حدوثه، لكنّنا لا نسلّم اختصاص دليل البراءة بالشكّ في الحدوث دون الشكّ في البقاء، بل مهما كان الشكّ في أصل التكليف سواء كان بلحاظ حدوثه أو بلحاظ انبساطه بقاءً تجري البراءة، بغضّ النظر عن فرض تقدّم استصحاب بقاء التكليف على البراءة; وذلك لإطلاق دليلها وعدم مبرّر لتخصيصها بالقسم الأوّل، وأنـّما نقول في الشكّ في الامتثال بعدم جريان البراءة; لأنّ الشكّ في الحقيقة لا يكون في فعليّة التكليف، بل في فاعليّته كما مرّ بيانه.
وقد تحصّل ممّا ذكرناه: أنّ العلم الإجمالي بالأمر التعييني أو الأمر التخييري بناءً على رجوعه إلى أوامر مشروطة منحلّ انحلالاً حقيقيّاً.
إلاّ أنّ هذا الانحلال إنّما هو بلحاظ العلم الإجمالي الواضح في المقام. ولكنّ المحقّق العراقي
أبدى في المقام علماً إجماليّاً آخر[٢]، وبلحاظه لا يتمّ هذا الانحلال الحقيقي، وهذا العلم الإجمالي نؤجّل بيانه إلى ذيل المبنى الرابع من
[١] راجع فوائد الاُصول: ج ٣، ص ١٥٦، وأجود التقريرات: ج ٢، ص ٢١٥.
[٢] راجع نهاية الأفكار: القسم الثاني من الجزء الثالث، ص ٢٨٩.