مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ٥٨٩ - فقه جملة (لاضرار)
وأمّا ما ذكره السيّد الإمام
في المقام فخلاصته[٣]: أنّ (لا ضرر) و (لا ضرار) الصادر من النبي
لم يكن حكماً إلهيّاً ذكره بما هو رسول، بل هو حكم ولائي ذكره
بما هو سلطان أمر به اُمّته.
وقد استظهر ـ رضوان اللّه عليه ـ من الحديث قبل بيان حمله على الحكم الولائي كونه نفياً قصد به النهي كما اختاره شيخ الشريعة، واستدلّ على ذلك بالإشكالات التي يرى أنّها ترد على سائر الاحتمالات، من قبيل تخصيص الأكثر، ثمّ ذكر
: أنّ هذا النهي ليس نهياً إلهيّاً بلغة الرسول
بوصفه رسولاً، بل هو نهي ولائيّ وسلطانيّ، فإنّه الذي يظهر من ظاهر النصّ سواء لاحظنا النصّ السنّي، أو لاحظنا النصّ الشيعي.
أمّا النصّ السنّي فلأنّه صُدّر بكلمة (قضى) وهي ظاهرة أوّلاً في قضاء فصل الخصومة، ومحمولة ثانياً بعد وضوح عدم إرادة ذلك على الحكم السلطاني والولائي، وأمّا حملها على الحكم الإلهي فهو خلاف الظاهر.
وأمّا النصّ الشيعي فالصحيح منه ما ورد في قصّة سمرة، وهو وإن لم يكن مصدّراً بكلمة (قضى)، ولكن موردها مورد القضاء وقد قضى رسول اللّه
بقلع شجرته وعلّل ذلك بأنّه «لا ضرر ولا ضرار» والمناسبة تقتضي أن يكون ذلك تعليلاً بحكم ولائي وسلطاني لا بحكم إلهي.
ولا يقال: إنّ العلّة تكون أوسع من الحكم المعلّل فلابدّ أن يحمل (لا ضرر) و (لا ضرار) على حكم إلهي، لا على قضاء رسول اللّه
وإلاّ لاتّحد مع المعلّل.
فإنّه يقال: إنّ المعلّل هو قضاء من رسول اللّه
في مرافعة وقعت بين الأنصاري وسمرة، وقد علّل ذلك بحكم ولائي من قبل رسول اللّه
، فأوسعيّة العلّة محفوظة في المقام.
ثمّ ذكر
: أنّ الشيخ الأعظم أشار الى إشكال في الاستدلال بحديث سمرة، وهو عدم إمكانيّة انطباق (لا ضرر) على مورد الحديث وهو قصّة سمرة; لأنّ الضرر لم يكن في بقاء الشجرة في بيت الأنصاري كي يعلّل الحكم بقلعها بـ(لا ضرر) وإنّما الضرر كان في عدم الاستئذان والدخول بلا إعلام. وعالج الشيخ الأعظم هذا الإشكال بأنّه لا يخلّ بتمسّكنا بالحديث، فإنّ الذي يهمّنا هو الكبرى المعطاة في الحديث دون فهم انطباقها على المورد.
وقال السيّد الإمام
: إنّ من الطبيعي كون الإشكال في انطباق الكبرى في الحديث على المورد مخلاًّ بالاستدلال، ولكنّ هذا إلإشكال إنّما يرد على ما فهمه الأصحاب من الحديث، أمّا بناءً على ما فهمناه من حمل الحديث على الحكم الولائي فلا يوجد مجال لهذا الإشكال، فإنّ أمر رسول اللّه
بقلع الشجرة كان حكماً ولائيّاً وأمراً سلطانيّاً ولا إشكال في
[٣] راجع تهذيب الاُصول ج ٣، ص ١١٢ ـ ١٢٢، والرسائل للسيّد الإمام رحمه الله ص ٥٠ ـ ٥٩.