مباحث الاُصول، القسم الثاني - الحائري، السيد كاظم - الصفحة ١٨٢ - العلم الإجمالي في التدريجيات
وثانياً: أنّ هذا لا يأتي في غير موارد وجوب حفظ القدرة، وذلك في موردين:
الأوّل: ما إذا فرضت القدرة على الواجب في زمانه دخيلة في الملاك، ففي مثل هذا الفرض لا يجب حفظ القدرة، ولذا نقول بجواز إراقة الماء قبل الوقت مع القطع بعدم إمكان تحصيل الماء للوضوء في الوقت; لأنّ القدر المتيقّن من ثبوت الملاك هو فرض القدرة في نفس الوقت.
والثاني: ما إذا فرض عدم تمكّنه قبل الوقت من التعجيز عن العمل حين الوقت، كما لو علم أنـّه نذر أن لا يأكل الجبن في هذا اليوم أو غداً، ونحو ذلك ممّا لا يتمكّن فيه عادة من تعجيز نفسه عن الامتثال في الوقت، وإذا لم يجب حفظ القدرة في هذين الموردين لم يتشكّل العلم الإجمالي بوجوب حفظ القدرة أو الواجب الأوّل، مع أنـّه
يقول بالتنجيز، ولزوم الإتيان بكلا العملين في جميع الموارد.
وثالثاً: أنـّه لو سُلّم أنّ العلم الإجمالي الأوّل ليس منجِّزاً، وأنّ العلم الإجمالي الثاني موجود ومُنجِّز، فهو إنـّما يصلح للتنجيز بمقدار سدّ باب العصيان الناشىء من تفويت القدرة قبل الوقت، فإنّ هذا هو المقدار الذي وقع طرفاً للعلم الإجمالي، ولا ينجِّز بلحاظ سدّ باب العصيان الناشىء من التصميم على الترك بعد دخول الوقت.
وبعد هذا نرجع إلى أصل الإشكال في المقام [١]، وهو أنّ الحكم الاستقبالي
[١] يمكن أن يشقّ الإشكال إلى تقريبين:
الأوّل ـ تلحظ فيه فعلية الحكم أو فاعليّته، فيقال: إنّ العلم الإجمالي إنـّما ينجّز إذا تعلّق بتكليف فعلي، أو فاعل على كلّ تقدير، وهنا أحد التكليفين ليس فعليّاً أو فاعلاً في الوقت الحاضر.
ويجاب عنه: بأنـّه تكفي فعليّة أو فاعليّة الحكم الثاني في ظرفه.
والثاني ـ أن يقال: إن الحكم المستقبليّ يستحيل تنجّزه من الآن لأنّ المردّد بين ما يتنجّز وما لا يتنجز لا يتنجز.
ويجاب عنه بما في المتن، وبالإمكان أن يصاغ الإشكال بصياغة النقض، بأنْ يقال: إنْ كان المقياس هو فعليّة الحكم في ظرفه فَلِمَ لا يُؤثّر العلم الإجمالي بتكليف مردد بين ما مضى وما هو حاضر، مع أنّ ما مضى حكم فعليّ في ظرفه؟ وإن كان المقياس قابليّة التنجيز، بمعنى قبح المخالفة الثابت أزلاً، حتى قبل القدرة، فكذلك هو ثابت أبداً حتى بعد زوال القدرة، فلِمَ لا يُؤثّر العلم الإجماليّ بتكليف مردّد بين ما مضى وما هو حاضر؟
والجواب: انّ المقياس هو قابليّة التنجيز، والحكم لا يقبل التنجيز، إلاّ بعلم معاصر، والعلم الإجمالي بتكليف فعليّ أو مستقبليّ ينجّز الطرفين; لأنـّه يعاصرهما، لأنّ العلم سيبقى إلى الزمان المستقبل، وكذلك الحال لو بدّلنا لغة التنجيز بلغة ارتكاز التضادّ بين الترخيص الشامل لكلّ الأطراف والغرض الإلزامي المعلوم بالإجمال، فإنّ هذا الارتكاز أيضاً مشروط بمعاصرة العلم للتكليف على كلّ تقدير، والعلم الإجماليّ بتكليف حاليّ، أو مستقبليّ معاصر للتكليف على كلّ تقدير; لأنـّه سيبقى إلى الزمان المستقبل، أمـّا العلم الإجمالي بتكليف ماض أو تكليف فعلي، فهو غير معاصر للتكليف الماضي حسب الفرض.