الطبّ النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ٩٥ - هدى النبي في تغذية المريض بألطف ما اعتاده من الأغذية ، والكلام عن التلبين
أهلها ، فاجتمع لدلك النساء ثم تفرقن إلا أهلها وخاصتها ، أمرت ببرمة من تلبينة فطبخت ، ثم صنع ثريد ، فصبت التلبينة عليها ، ثم قالت : كلن منها ، فإني سمعت رسول الله صلىاللهعليهوسلم يقول : التلبينة مجمة لفؤاد المريض ، تذهب ببعض الحزن » [١].
وفى السنن ، من حديث عائشة أيضا ، قالت : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : « عليكم بالبغيض النافع ، التلبين » [٢] ، قالت : « وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا اشتكى أحد من أهله : لم تزل البرمة على النار ، حتى ينتهى أحد طرفيه » يعنى : يبرأ أو يموت. وعنها : « كان رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا قيل له : إن فلانا وجع لا يطعم الطعام ، قال : عليكم بالتلبينة فحسوه إياها. ويقول : الذي نفسي بيده ، إنها تغسل بطن أحدكم كما تغسل إحداكن وجهها من الوسخ » [٣].
( التلبين ) هو : الحساء الرقيق الذي هو في قوام اللبن ، ومنه اشتق اسمه. قال الهروي : « سميت تلبينة : لشهها باللبن ، لبياضها ورقتها ». وهذا الغذاء هو النافع للعليل ، وهو الرقيق النضيج ، لا الغليظ النيئ. وإذا شئت أن تعرف فضل التلبينة : فاعرف فضل ماء الشعير ، بل هي [٤] أفضل من ماء الشعير لهم : فإنها حساء متخذ من دقيق الشعير بنخالته. والفرق بينها وبين ماء الشعير : أنه يطبخ صحاحا ، والتلبينة تطبخ منه مطحونا. وهى أنفع منه لخروج خاصية الشعير بالطحن.
وقد تقدم : أن للعادات تأثيرا في الانتفاع بالأدوية والأغذية. وكانت عادة القوم أن يتخذوا ماء الشعير منه مطحونا ، لا صحاحا. وهو أكثر تغذية ، وأقوى فعلا ، وأعظم جلاء. وإنما أطباء المدن منه صحاحا : ليكون أرق وألطف ، فلا يثقل على طبيعة المريض. وهذا بحسب طبائع أهل المدن ورخاوتها ، وثقل ماء الشعير المطحون عليها.
[١] وأخرجه أيضا البخاري والترمذي والنسائي وأحمد. اه ق.
[٢] أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد والحاكم. اه ق.
[٣] أخرجه الترمذي والنسائي وأحمد والحاكم. اه ق.
[٤] في الزاد ١٠٢ : « هي ماء الشعير ». والنقص من الناسخ أو الطابع