الطبّ النبوي - ابن قيّم الجوزية - الصفحة ١٨٠ - آفة الشرب نهلة
بسهولة ولذة ونفع. ومنه : ( فكلوه هنيئا مريئا ) هنيئا في عاقبته ، مريئا في مذاقه. وقيل : معناه أنه أسرع انحدارا عن المرئ [١] ، لسهولته وخفته عليه ، بخلاف الكثير : فإنه لا يسهل على المرئ [١] انحداره.
ومن آفات الشرب نهلة واحدة : أنه يخاف منه الشرق ، بأن ينسد مجرى الشراب ـ لكثرة الوارد عليه ـ فيغص به. فإذا تنفس رويدا ثم شرب [٢] : أمن من ذلك ، ومن فوائده : أن الشارب إذا شرب أول مرة ، تصاعد البخار الدخاني الحار ـ الذي كان على القلب والكبد ـ لورود الماء البارد عليه ، فأخرجته الطبيعة عنها ، فإذا شرب مرة واحدة : اتفق نزول الماء البارد وصعود البخار ، فيتدافعان ويتعالجان. ومن ذلك يحدث الشرق والغصة ، ولا يتهنأ [٣] الشارب بالماء ، ولا يمرئه ، ولا يتم ريه.
وقد روى عبد الله بن المبارك ، والبيهقي ، وغيرهما ـ عن النبي صلىاللهعليهوسلم ـ : « إذا شرب أحدكم : فليمص الماء مصا ، ولا يعب عبا ، فإن [٤] الكباد من العب ».
و ( الكباد ) ـ بضم الكاف وتخفيف الباء ـ هو : وجع الكبد. وقد علم بالتجربة : أن ورود الماء جملة واحدة على الكبد يؤلمها ، ويضعف حرارتها. وسبب ذلك : المضادة التي بين حرارتها ، وبين ما ورد عليها : من كيفية المبرود وكميته. ولو ورد بالتدريج شيئا فشيئا : لم يضاد حرارتها ، ولم يضعفها. وهذا مثاله : صب الماء البارد على القدر وهى تفور ، لا يضرها صبه قليلا قليلا.
وقد روى الترمذي في جامعه ـ عنه صلىاللهعليهوسلم ـ : « لا تشربوا نفسا واحدا : كشرب البعير ، ولكن [٥] : اشربوا مثنى وثلاث ، وسموا إذا أنتم شربتم ، واحمدوا إذا [٦] أنتم فرغتم [٧] ».
[١] بالأصل والزاد ١٤٠ : « المري » بدون همزة. وهو خطأ. وراجع المختار والمصباح ، والنهاية ٤ / ٨٧ بتأمل. (٢) بالزاد : يشرب.
[٣] بالأصل : يتهنى. وإبدال الهمزة ياء هنا عامي ، كما صرح به في المصباح. وعبارة الزاد : يهنأ.
[٤] هذا إلخ لفظ رواية سعيد بن منصور ، وابن السنى ، وأبى نعيم في الطب. كما في الفتح الكبير : ١ / ١٢٣. وانظر : النهاية ٤ / ٣. وعبارة الأصل والزاد : « فإنه من الكباد ». وهى إما محرفة عما أثبتناه ، أو عن « فإن منه الكباد « أو عن
» فإنه من العب الكباد ». (٥) بالزاد : لكن.[٦] كذا بالفتح الكبير : ٣ / ٣٢٧. وبالأصل هنا والزاد في الموضعين : إذ. وهو تحريف.
[٧] رواية الفتح : رفعتم. وقد علق ق بقوله : هذا الحديث ضعيف!!.