تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٣٧٠ - في بعض الفوائد الهامّة
بما يوافقه من غير نظر إلى قصد المفهوم معه.
أو من جهة فقد المقتضي لفهم المفهوم ، فإنّ المفهوم إنّما يثبت في موضع انفهام السببيّة عن التقييد ، والسببيّة إنّما تستقيم إذا كان محلّ القيد قابلا لأن يطرءه حالتا وجود القيد معه وانتفائه عنه ، بمعنى أن يكون هو بالنظر إلى القيد أعمّ منه مطلقا أو من وجه ، فلذا ترى أنّه لا مفهوم لقولك : « أكرم الإنسان الضاحك » و « إن كان الأسد مفترسا فاحذر منه » و « إن كان الأمير قادرا عليك فلا تتعرّض لسخطه » و « إن كنت أباي فاعطف عليّ » و « إن كان الخمر مسكرا فلا تشربه » وهكذا ممّا لا يكاد يحصى ، ومتى ما كان القيد غالبا على محلّه كان هو بالنسبة إليه واردا على ما هو بمنزلة ما لا عموم فيه تنزيلا للنادر منزلة المعدوم ، وكأنّ المحلّ منحصر في نظر العرف في مورده الغالب وليس له فرد سواه ، فعلى هذا يحمل القيد على إرادة معان اخر غير المفهوم كما هو الحال في الأمثلة المذكورة.
ولعلّه في الأوّل : تنبيه المخاطب على كون الإنسان ضاحكا وتعريفه له ، نظرا إلى ما ذكروه من أنّ التوصيف للجاهل بالنسبة في معنى الإخبار ، كما أنّ الإخبار للعالم بها في معنى التوصيف ، فإنّ من لوازم التوصيف علم المخاطب بأصل النسبة ومن لوازم الإخبار جهله بها ، ولكن قد يرد كلّ منهما مورد الآخر.
وفي الثاني : تنبيه السامع على أنّ الافتراس الّذي تعلمه في الأسد ملزوم للزوم الحذر والفرار منه.
وفي الثالث : التنبيه على أنّ من لوازم قدرة الأمير مع العلم بها أن لا يتعرّض الإنسان لسخطه.
وفي الرابع : التنبيه على أنّ من لوازم الأبوّة عطف الأب على ولده ، أو تحريصه إلى الأخذ بما هو من لوازمها ببيّنة وبرهان.
وفي الخامس : التنبيه على علّة الحكم والحكمة الداعية إلى تشريعه ، والنكتة في مثل قوله : « لا تشرب الخمر إن كنت مؤمنا » التنبيه على كمال البينونة فيما بين الإيمان وشرب الخمر ، وبيان أنّ شرب الخمر مع الإيمان ممّا لا ينبغي ، وأنّه ممّا لا يلائم الإيمان.
وعلى هذا القياس قوله تعالى : ( وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ )[١] فإنّ المقصود بالآية إنّما هو المنع عن الكتمان مطلقا مع التنبيه على أنّه ممّا لا يناسب الإيمان بالله.
[١] البقرة : ٢٢٨.