تعليقة على معالم الاصول - الموسوي القزويني، السيد علي - الصفحة ٥٨٨ - المطلب الأوّل تحقيق الحال في العبادات المكروهة
وأنت خبير بأنّ هذا غفلة عن فهم مراده من ارتكاب هذا التوجيه ، فإنّ غرضه هنالك إرجاع التأويل إلى النهي المفروض بصرفه عن معنى الطلب إلى حمله على الإرشاد وهو مجرّد بيان قلّة الثواب ، وهذا معنى آخر من معاني الصيغة أمرا ونهيا فيكون النهي المحمول على الإرشاد إلى أقلّيّة الثواب كالأمر الإرشادي لمجرّد بيان الواقع خاليا عن الطلب ، فالإيراد عليه بنحو ما ذكر ليس على ما ينبغي.
وأمّا شبهة اجتماع الضدّين فسيأتي ما يدفعها.
ثمّ إنّ للسيّد كلاما طارفا [١] أورده على القول بالبطلان الّذي صرّح به الفاضل المتقدّم ذكره ومن وافقه فيما لا دليل على صحّته وهو : « أنّ تعلّق النهي التنزيهي حقيقة بالعبادة مع القول ببطلانها ممّا لا معنى له ، لأنّ من قال بالبطلان إنّما قال به هربا من التكليف بالمحال واجتماع الرجحان والمرجوحيّة في فعل شخص واحد وفي تركه أيضا ، والقول بتعلّق النهي التنزيهيّ بها مستلزم للعود إلى المهروب عنه ، لأنّ معنى هذا النهي رجحان الترك مع جواز الفعل شرعا وعدم العقاب عليه ، وحينئذ ينتظم قياس هكذا : هذا الّذي نهي عنه تنزيها عبادة جائزة شرعا ـ أمّا كونه عبادة فللفرض وأمّا كونها جائزة فلكون النهي عنه تنزيها ـ وكلّ عبادة جائزة إمّا أن يثاب على فعلها ويعاقب على تركها ، أو يثاب على فعلها ولا يعاقب على تركها ، فهي إمّا واجبة أو مندوبة ، فتكون مطلوب الفعل والترك وراجحة ومرجوحة ، والقول بأنّها لا يثاب عليها قول بعدم كونها عبادة بل بدعة محرّمة » إلى آخره.
وهذا الكلام كما ترى وارد على سبيل المغالطة مبنيّ على الغفلة عن حقيقة الحال لتطرّق المنع إلى صغرى القياس ، فإنّ الجواز في كلّ شيء إنّما يعتبر على حسبما يقتضيه المقتضي للجواز فيه وهو في العبادات مشروط بورود أمر بها إيجابا أو ندبا ، والنهي التنزيهيّ إنّما يقتضي الجواز في متعلّقه إذا لم ينشأ منه ما يرفع المقتضي للجواز من لزوم التكليف بالمحال أو اجتماع المتضادّين أو غيره من المحاذير ، وهو في العبادات في زعم القائلين بالبطلان مستلزم لهذه المحاذير ، فعدم الجواز حينئذ ليس من مقتضى هذا النهي من حيث إنّه هذا النهي حتّى يقال : بأنّه تنزيهي لا ينافي الجواز بل هو مقتض له ، بل هو من مقتضى انتفاء المقتضي للجواز المستند إلى المحاذير الناشئة من النهي على تقدير بقاء ذلك المقتضي من الأمر الإيجابي أو الندبي ، وظاهر أنّ العبادة حيثما ارتفع عنها الأمر بكلا
[١] في التحرير الأوّل من التعليقة : « لطيفا » بدل « طارفا ».