دعائم الإسلام - القاضي النعمان المغربي - الصفحة ١٣
أى أنّها كتبت بعد وفاة المؤلّف بنحو خمسمائة سنة. و معنى هذا أننا لا نستطيع بأى حال من الأحوال أن نثق تمام الثقة بأنّه لم يحدث في الكتاب تحريف أو تغيير بعد أن كتبه المؤلّف، و لكننا نطمئن تماما إلى أنّه لم يحدث في الخمسة القرون الأخيرة أي تغيير في مادة الكتاب، إلّا ما كان من أخطاء النسّاخ، أو أخطاء نحوية. و بعض هذه الأخطاء لا يمكن تغييره، و بعضها الآخر شخصىّ لا يمكن تبديله. لأنّها كانت اللغة الشائعة في عهد هؤلاء النسّاخ أولا، و للوهم أنّها أصيلة من المشرع النابه ثانيا، و قد تدلنا هذه على أن لغة القانون في هذه الأيّام تختلف عن المصطلحات القديمة، و لا نجد خلافا في مادة الكتاب بين نسخة المختلفة، و كل الاختلافات التي بين النسخ حدثت بسبب عدم فهم النسّاخ للنص، و أحيانا بسبب الرغبة في توضيح النصّ، فأضيف إليه كلمات للشرح، أو بتغيير بعض حروف الخفض حتّى يستقيم أسلوب المؤلّف مع الأساليب العربية، و أعتقد أنّه في حالة أو حالتين أدرج في الكتاب كلمات لا يمكن أن تكون من عند المؤلّف.
و مهما يكن من شيء فإنى سعيد إذ لم أواجه الصعوبات الكثيرة التي واجهها صديقى المرحوم سوكثانكر في عمله الخالد، و هو نشر «مهابهاراتا». فقد جمع عددا كبيرا من مخطوطات مختلفة التواريخ و مختلفة الروايات، و أخرج من ذلك كله نسخة واحدة حازت إعجاب و تقدير عالم المثقفين. فإنى لست على استعداد الآن لأن أقوم بمثل هذا المجهود الجبار الذي قام به، و لا بأقل منه، لأنى لا أدعى أنى انتهيت من هذا الكتاب، و لأنى أريد أن أقدم أقوم و أصدق قانون وضع للفاطميين، و ربما نجد مع مرور الأيّام نسخا خطية أقدم و أصح من التي عثرنا عليها، و حينئذ ربما نعمل- لى نشر نسخة كاملة للكتاب.
و قبل أن أتقدم في وصف النسخ الخطية التي اعتمدت عليها، أرى أن أعرض لموضوع لفت نظرى، و هو أنّه من المدهش أن لا نجد نسخة واحدة من هذا الكتاب في مكتبات مصر، إذ الموجود في دار الكتب المصرية هي صورة فوتوغرافية رقم (١٩٦٦٥ ب) عن النسخة الخطية التي تحتفظ بها مكتبة مدرسة اللغات الشرقية بلندن برقم (٢٥٤٣٥) و قد اشترت دار الكتب المصرية حديثا نسخة من الجزء الأول فقط، و هناك نسخة أخرى خطية بمكتبة صديقى الدكتور محمّد كامل حسين الذي تخصص منذ سنوات عديدة في دراسة الأدب الفاطمىّ و نشر في ذلك عدة كتب