النّفس من كتاب الشّفاء لابن سینا - حسن زاده الآملي، الشيخ حسن - الصفحة ٨٤
يعقل خير وشر أو موافق ومخالف إلا عارضا لجسم ، وقد يعقل ذلك بل يوجد [١]. فبيّن أن هذه الأمور هى فى أنفسها غير مادية ، وقد عرض لها إن كانت مادية. والوهم إنما ينال ويدرك أمثال هذه الأمور.
فإذن الوهم قد يدرك أمورا غير مادية ، ويأخذها عن المادة ، كما يدرك أيضا معانى غير محسوسة وإن كانت مادية. فهذا النزع إذن أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين ، إلا أنه مع ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة ، لأنه يأخذها جزئية وبحسب مادة مادة ، وبالقياس إليها ، ومتعلقة بصورة محسوسة مكنوفة بلواحق المادة وبمشاركة الخيال فيها.
وأما القوة التى تكون الصورة المثبتة [٢] فيها ، إما صور موجودات ليست بمادية ألبتة ولا عرض لها أن تكون مادية ، أو صور موجودات مادية ولكن مبرأة عن علائق المادة من كل وجه ، فبيّن أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا مجردا عن المادة من كل وجه. فأما ما هو متجرد بذاته عن المادة فالأمر فيه ظاهر ، وأما ما هو موجود للمادة إما لأن وجوده مادى ، وإما عارض له ذلك فتنزعه عن المادة وعن لواحق المادة معه ، فتأخذه أخذا مجردا ، حتى يكون مثل الإنسان الذى يقال على كثيرين ، وحتى تكون قد أخذ الكثير طبيعة واحدة ، وتفرزه عن كل كم وكيف وأين ووضع مادى. ولو لم تجرّده عن ذلك لما صلح أن يقال على الجميع.
فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسى ، وإدراك الحاكم الخيالى ، وإدراك الحاكم الوهمى ، وإدراك الحاكم العقلى. وإلى هذا المعنى كنا نسوق
[١] اى تعقل مجردة وتوجد مجردة فى الخارج. [٢] المستثبة ـ خ.