الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي - السويعدي، مالك مهدي - الصفحة ٤٨
كمن شاهد عجائب آياته في ملكوت السماوات والأرض، وخلق الأرواح والأجساد وأطلع على بدائع المملكة وغرائب الصفة ممعنا في التفصيل ومستقصياً دقائق الحكم، ومستوفيا لطائق التدبير، ومتصفا بجميع الصفات الملكية المقربة من الله تعالى نائلا لتلك الصفات نيل إتصافه بها، بل بينهما من البون البعيد ما لا يكاد يحصى وفي تفصيل ذلك ومقاديره. تتفاوت الدرجات فلا تلتفت إلى من يزعم أنه وصل إلى كنه الحقيقة المقدسة بل أحث التراب في فيه فقد ضل وغوى وكذب وافترى فإن الواقع أرفع وأظهر من أن يتلوث بخواطر البشر، وكلما تصوره العالم الراسخ فهو عن حرم الكبرياء بفراسخ، وأقصى ما وصل إليه الفكر العميق فهو غاية مبلغه في التدقيق سبحان من حارت لطائف الأوهام في بيداء كبريائه وعظمته وسبحان من لم يجعل للخلق سبيلا إلى معرفته إلا بالعجز عن معرفته.
وكما يمتنع على غير الله تعالى معرفة كنه ذات الله فكذلك يمتنع معرفة كنه صفاته لأن صفاته تعالى عين ذاته وكما وصفه به العقلاء فإنما هو على قدرأفهامهم وبحسب وسعهم فإنهم إنما يصفونه بالصفات التي ألفوها وشاهدوها في أنفسهم مع سلب النقائض الناشئة من إنتسابها إليهم بنوع من المقايسة ولو ذكر لهم من صفاته عز وجل ما ليس لهم ما يناسبه بعض المناسبة لم يفهموه ككونه تعالى لا أول له ولا آخر، ولا جزء له وليس في مكان ولا زمان، كان ولم يكن معه شيء من زمان أو مكان أو ليل أو نهار أو ظلمة أو ضياء، حاروا وتحيروا وعجزوا ولم يفهموا شيئاً فتوصيفهم إياه سبحانه بأشرف طرفي النقيض كالعلم والجهل والقدرة والعجز أو الحياة والموت إنما هو على قدرهم لا قدره، وبحسبهم لا بحسبه، فسبحانه عما يصفون وتعالى شأنه عما يقولون، ولذا قال باقر العلوم عليه السلام هل سمي عالماً قادراً الا لأنه وهب العلم للعلماء والقدرة للقادرون، وكلما ميزتموه بأوهامكم في أدق معانيه فهو مخلوق ممنوع متكلم مردود إليكم والباري تعالى واهب الحياة ومقدر الموت ولعل النمل الصغار تتوهم إن لله زبانيتين أي قرنين فإنهما كمالها وتتصور أن عدمهما نقصان لمن لا يكونان له، ولعل حال كثير من العقلاء كذلك فيما يصفون الله تعالى به سبحان ربك رب العزة عما يصفون، ولذا أورد النهي عن وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه". [١]
[١] حق اليقين.