الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي - السويعدي، مالك مهدي - الصفحة ٥٦
وثانيهما: هو الهوية اللازمة لذلك الوجود، وهي المسمى بالماهية" وربما أشارت بعض كلمات صدر المتالهين إلى هذه الحقيقة أيضا، قال "وتحقيق الحق، إنه كما يوجد في الخارج شخص كزيد مثلا، ويوجد معه صفاته وأعراضه وذاتياته، كالأبيض والضاحك والماشي والجالس والنامي والحيوان والناطق، فهي موجودات توجد بوجود زيد، بل عين زيد ذاتا ووجوداً"، بتعبير آخر: تنتزع الماهية من مرتبة هوية الوجود، فهي غير الوجود ذهنا وعينه خارجاً.
وإما المتروك من الثاني فهو القول إنه لا يمكن تحليل واجب الوجود عقلا إلى ماهية ووجود. أجل، هذه الماهية مجهولة لكنه لغيره (تعالى) إذ لا يحيطون به علماً.
فأن قلت: كيف يصدق على ما به إمتيازه من غيره الماهية، وهي ما يقال في جواب السؤال بـ "ما هو" ولا يمكننا العلم بماهيته حتى نقوله في جواب "ما هو"؟
قلت: ليس معنى كون الشيء له ماهية تقال في جواب "ما هو" هو أن نقدر على معرفة تلك الماهية، وإنما المراد هو قبوله لذلك وإن لم نقدر عليه، فإن عدم علمنا بماهية شيء لا ينافي كونه ذا ماهية.
لقد إستدل المصنف في المتن لإثبات مدعى الحكماء بهذا البيان: لو كان للواجب (تعالى) ماهية وراء وجوده الخاص به، لكان وجوده زائداً على ذاته عرضياً لها، لأن الماهية - كما سيأتي في الفصل الأول من المرحلة الخامسة - من حيث هي ليست إلا هي لا موجودة ولا معدومة. بمعنى أن الموجودية ونقيضها ليس شيء منهما مأخوذا في حد ذاتها، بأن يكون عينها أو جزؤها، ومن ثم فهي لا تأبى أن تتصف بهما. إذن الوجود لا هو عين الماهية ولا جزؤها، كما هو الأمر في الحيوانية والناطقية بالنسبة إلى الإنسان. وكذلك لس الوجود لازماً إصطلاحيا للماهية كالزوجية إلى الأربعة، ولا هو لازم ذاتي للماهية كالإمكان بالنسبة إليها. فينحصر الأمر في أن يكون عرضاً غريباً للماهية. هذه صغرى القياس. أما الكبرى فهي قاعدة فلسفية مفادها "أن كل عرضي فهو معلل" بمعنى أن الوجود العارض لكي يحمل على الموضوع المعروض له يحتاج إلى علة.
قال صدر المألهين: "إن كل ماهية يعرض لها الوجود ففي إتصافها بالوجود وكونها مصداقاً للموجود، يحتاج إلى جاعل يجعلها كذلك، فإن كل عرضي معلل" فإذا كان وجوده معللا فيحتاج إلى علة، والعلة إما ماهية الواجب أو غيرها ولا ثالث لهما. والثاني محال لأنه يلزم أن يكون الواجب بالذات واجباً بالغير، وقد تقدم إسحالته في الفصل الثاني من هذه المرحلة. فينحصر الأمر في أن تكون الماهية علة لوجوده، وسيأتي في مباحث العلة والمعلول أن العلة التي تفيض الوجود لابد أن تكون متقدمة على المعلول وجوداً، لمكان توقف وجود الفعل على وجود الفاعل.
إذن فالماهية الموجودة تكون علة للوجود العارض عليها. هنا ننقل الكلام إلى الوجود الذي يقع وصفاً للماهية التي هي في رتبة العلة، هل هو نفس الوجود الذي يقع في رتبة المعلول أو غيره، ثم إحتمالان لا ثالث لهما، فإذا كان أحدهما عين الآخر يلزم تقدم الشيء على نفسه، لأن المعلول متأخر وجوداً والعلة متقدمة وجوداً، وبطلانه ضروري، حيث يكون الواجب موجوداً قبل أن يحصل له الوجود أي في حال العدم، والوجود في حال العدم جمع للنقيضين الذي هو بديهي الإستحالة. أما إذا كان الوجود في رتبة العلة غير الوجود في رتبة المعلول، فإنه - بالإضافة إلى أن ماهية واحدة توجد بوجودين، وهو غير معقول كما تقدم - يلزم التسلسل في الوجودات، لأننا ننقل الكلام إلى الوجود الذي في رتبة العلة، هل هو عين الماهية أو زائد عليها، فإن كان زائداً عليها كما هو المفروض، فيأتي البيان السابق، فتسلسل وجودات لا متناهية بالنسبة إلى الواجب سبحانه. "وهذا التسلسل المحال عند الحكماء لأن تلك الانيات مترتبة من جهة أن الوجود السابق منشأ للاحق، حيث إن العلة بوجودها مفيضة، ومجتمعة في الوجود أيضا كما هو الظاهر".