الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي - السويعدي، مالك مهدي - الصفحة ٥٥
قال الشيخ إبن سينا في إلهيات الشفاء "إن الأول لا ماهية له وراء الإنية" بمعنى إن واجب الوجود لا يصح أن يكون له ماهية يلزمها وجوب الوجود، ثم أوضح هذا المدعّى من خلال مثال هو أن المبدأ تعالى يتصف بانه واحد فقال: "والذي جعله - أي المبدأ - منهم واحداً، فمنهم من جعل المبدأ الأول لا ذات الواحد، بل شيئاً هو الواحد، مثل ماء أو هواء أو نار أو إنسان هو واحد، ومنهم من جعل المبدأ ذات الواحد من حيث هو واحد، لا شيء عرض له الواحد، ففرق إذن بين ماهية يعرض لها الواحد والموجود، وبين الواحد الموجود من حيث هو واحد وموجود.
فنقول: إن واجب الوجود لا يجوز أن يكون على الصفة التي فيها تركيب حتى يكون هناك ماهية ما، وتكون تلك الماهية واجبة الوجود، فيكون لتلك الماهية معنى غير حقيقتها، وذلك المعنى وجوب الوجود، مثلاً إذا كانت تلك الماهية أنه إنسان فيكون إنه إنسان غير أنه واجب الوجود".
القول الثالث:
وهو الذي يأخذ من كل من القولين السابقين شيئاً ويدع شيئا آخر، أما المأخوذ من الأول فهو قبول أن للواجب (تعالى) ماهية ووجوداً بحسب التحليل العقلي، وذلك لأن متقضى كونه وجوداً شخصياً ممتازاً عن غيره، كونه واجداً لما به يمتاز عما عداه، وما به إمتياز كل موجود عن غيره هو ماهيته التي تقال في جواب السؤال بـ"ماهو"، وإما المتروك منه فهو دعوى الزيادة والعروض بحسب الواقع الخارجي. والمأخوذ من الثاني أن الواجب (تعالى) بسيط حقيقة في متن الأعيان، وأن ماهيته عين وجوده الخارجي من دون تقدم أحدهما على الآخر في الواقع، لأن الموجود في الحقيقة هو الوجود، والماهية منتزعة عنه. وإذ جاء في كلمات الإعلام تقدم الوجود - بحسب العين - على الماهية، فمعنا أن الوجود هو الأصل في التقرر والتحقق في الأعيان لكونه نفس التقرر فيها، والماهية مفهومة منه منتزعة عن نحو الوجود الخاص، فتكون فرعاً للوجود بهذا الإعتبار، لا بمعنى المعلولية والتأثر، وليس هذا الأمر مختصاً بالواجب (تعالى)، بل نعتقد أن ذلك جار في الوجودات الإمكانية أيضا. قال المحقق الطوسي في شرح الإشارات: "إذا صدر عن المبدأ وجود، كان لذلك الوجود هوية مغايرة للأول، ومفهوم كونه صادراً عنه غير مفهوم كونه ذا هوية، فإذن ها هنا أمران معقولان:
أحدهما: الأمر الصادر عن الأول، وهو المسمى بالوجود.