الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي - السويعدي، مالك مهدي - الصفحة ٥٤
والذي ينبغي الوقوف عنده هما القولان "الأخيران، وإما الأول فقد تقدم الكلام عنه في الفصل الثاني من المرحلة الأولى وما يرد عليه. ولذا سوف نتوقر قليلاً على توضيح هذين القولين وما يمكن أن يقال فيهما.
القول الأول:
وهو الذي اختاره الفخر الرازي ونسبه إلى طائفة من المتكلمين، وتوضيحه أنه بعد أن حكم أن الوجود شيء واحد في الجميع بنحو الإشتراك المعنوي، ولا يقع على الموجودات بنحو الإشتراك اللفظي "صرح بأن وجود الواجب مساو لوجود الممكنات، ثم أنه لما رأى وجود الممكنات أمراً عارضاً لماهياتها، وكان قد حكم بأن وجود الواجب مساو لوجود الممكنات، حكم بأن وجود الواجب أيضا عارض لماهيته، فماهيته غير وجوده، وظن أنه إن لم يجعل وجود الواجب عارضاً لماهيته، لزمه أما كون ذلك الوجود مساويا للوجودات المعلولة، وإما وقوع الوجود على الواجب ووجود غيره بالإشتراك اللفظي".
والتأمل في كلماته جميعاً توصل إلى أنه يريد بيان حقيقة أن وجوده (تعالى) عارض على ماهيته وحقيقته عيناً وخارجاً وبتعبيره "نعت من نعوت ماهيته" والشاهد على ذلك الحجة التي أقامتها الحكمة المشائية لإبطال هذا القول، حيث سيتضح أنها قائمة على إفتراض أن عروض الوجود للماهية وزيادته عليها إنما هي في الواقع الخارجي لا التحليل العقلي. إذن فهذا القول يذهب إلى الزيادة العينية للوجود على الماهية فيه (تعالى) فضلا عن الزيادة والعروض الذهني له عليها. ولكن من جهة أخرى يرى أن ماهيته مجهولة الكنه بالنسبة إلينا، ولا يمكن الوقوف عليها، كما هو الأمر في الماهيات الإمكانية، التي يمكن التعرف عليها وجعلها في جواب السؤال بـ"ما هو".
القول الثاني:
إن واجب الوجود لا ماهية له بحسب التحليل العقلي فضلا على الواقع الخارجي، وهذا بخلاف الممكن كالإنسان مثلاً، فإن له ماهية هي الحيوان الناطق ووجوداً هو كونه في الأعيان، وهو الذي اختاره أكثر الحكماء "سواء كانوا قائلين بأصالة الوجود أو لا، فإنهم قائلون في هذه المسألة بأن أنيته تعالى ماهيته، بمعنى أنه لا ماهية له سوى الوجود الخاص المجرد عن مقارنة الماهية، وكما أنهم متفقون في أن الوجود أصل فيه تعالى كذلك متفقون أن ذلك الوجود الأصيل إنية صرفة".