الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي - السويعدي، مالك مهدي - الصفحة ٤٠
شيء ممسك بقدرة الله كما بالآية فاطر ٤١. وإذا سحب وجوده عنه يصبح عدما فانتفت الرؤية مطلقاً، كالماء محيط بالسمك، والهواء يحيط بنا، وكما أن الإناء المملوء بالماء لا نستطيع رؤية الماء الذي فيه، إلا أن نفرغ جزء من الماء الذي في القدح فنميز بين وجود الماء وعدم وجوده، أو وجود الهواء من عدم وجوده. أو نأخذ قدحاً نضع فيه ماء ملون بحيث يسهل علينا التمييز بين الماء والهواء أو أي جنس آخر مختلف عنه شكلا لا ذاتاً. فلما سلب تعالى إحاطته بالجبل انعدم وجود الجبل لأن كل شيء قائم به تعالى وليس لشيء وجود وبقاء دونه لذا لم نستطيع رؤيته تعالى، "إن الله يمسك السماوات والأرض إن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً" (فاطر: ٤١). قال الإمام علي (ع) "لم يخل منه مكان فيدرك باينية ولا له شبه مثال فيوصف بكيفية ولم يغب عن علمه شيء فيعلم بحيثية". [١]
وقال أمير المؤمنين عليه السلام بموضع آخر "لا تحويه الأماكن لعظمته ولا تدركه المقادير لجلالته ممتنع عن الأوهام أن تكتنهه، وعن الأفهام أن تستغرقه وعن الأذهان أن تمثله، قد يئست من إستنباط الإحاطة به طوامح العقول ونضبت عن الإشارة إليه بالإكتناه بحار العلوم."
وقال أيضا "الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد ولا تراه النواظر، ولا تحجبه السواتر الدال على قدمه بحدوث خلقه وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم أن لا شبه له". [٢]
وقوله عليه السلام "الحمد لله الذي منع الأوهام إن تنال إلى وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها الشبه والتشاكل. بل هو الذي لا تتفاوت ذاته ولا تتبعض بتجزئه العدد في كماله". [٣]
الله هو الوجود الأكمل، لا بد وأن يكون ذاتا، ولا يصح أن يكون عقلا وفكرا محضاً دون ذات، وذات الله تعالى ليست مادة، إنه شيء لا كالأشياء ولا شبيه له سبحانه ولا نستطيع إدراك كنه تلك الذات والإحاطة بها، وذاته موجودة بوجود لا في حس ولا شعور فهو ليس مادة كثيفة ولا لطيفة وليس كمثله شيء ولم يكن له كفوءاً أحد الكبير المتعال.
[١] توحيد الصدوق ص ٦٩ . [٢] التكامل في الإسلام، أحمد أمين، ج ٢، ص٩٠. [٣] تحف العقول، ص ٩٢.