الذات الإلهية وفق المفهوم الفلسفي - السويعدي، مالك مهدي - الصفحة ٣٧
وإن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود يأبى بذاته العدم (الحق ماهيته إنيته) أي أن الخالق ماهيته نفس وجوده كما ذكرناه في قول الحكيم السبزواري في منظومته الفلسفية وبما أنه غير متناه غير محدود والكون متناه ومحدود والكون محيط والله سبحانه محاط فليس بإمكان المحيط أن يدرك المحاط أو المحدود أن يدرك اللامحدود، وقوله داخل في الأشياء خارج عنها أي محيط بالأشياء فإنك، إذا لاحظت البحر أو حوض الأسماك فستجد الماء محيط بالحيوانات أو الأسماك. فالماء داخل في هذه الأشياء، ولكن خارج عنها وهذا بالنسبة للماديات مع الفارق لأن الله تعالى ليس مادياً والعالم مادي. أي أن الماء خارج عن جوفها وليس بداخلها وإحاطة الله كلية بكل ذرة منها حتى الجراثيم والميكروبات وأجزاء الذرة والله فيض وكمال وهو أفاض الوجود إلى الكائنات، والماء محيط بها فقط، ولا يدخل في باطنها، لأنك لو فتحت باطن السمكة لا تراها مملوءة بالماء لأن الماء خارج عنها أو محيط بها فقط بل ترى في باطنها الأمعاء، وما إليه من محتويات هذا بالنسبة للماديات مثلنا بالسمكة لتقريب الفهم لعدم استحضار شيء بسيط للإيضاع الصوري أما الله فإنه محيط إحاطه تامة بكل دقائق الكون وأجزاءه وجزئياته.
أظن هنا المثال واضح للفكر لأجل التشبيه بالله لأن الله ليس صفة وموصوف لكي يعرض على شيء أو هو جسم ليحل بمكان أو يحويه ويستوعبه كالظرف والمظروف لا بل ذات (قائم بذاته) ولم يكن قائماً بغيره ليحل فيه. كذلك الآية الكريمة مصداقا لذلك نرى المصباح داخلاً في الزجاجة إذا ما نظرنا إليه من الخارج. لكنه ليس داخل فيها بل هو خارج عنها أيضا كما بينا في سورة النور وبنفس الوقت فهو في باطنها، لكن لا بملامسة وخارج عنها لا بمزايلة.
إن علم الله موجود في كل ذرة من المادة وقدرته في الممكنات كلها وفيضه عليها بالتساوي لأن مرتبة الممكنات بالنسبة له بدرجة واحدة وإلا لكان ترجيح بلا مرجح، وكونه كامل والمادة ناقصة فتسبح له لتنزهه عن النقص كقوله لا بمقارنة أي لا نقارنه معها بأنه جسم ومادة وممكن أو هو مادة لأنه موجود والمادة موجودة، ولا بمزايلة كون هذا التجرد لا يخرجه عن الإحاطة بها.
قال بعض الزنادقة للإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام: "إن الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم، فإما هو فلا تخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار.