الإمامة وأهل البيت (ع) - بيومي مهران، محمد - الصفحة ١٣٣
عن حماد بن زيد قال: بعث إلي يحيى بن أكثم [١] وإلى عدة من أصحابي، وهو يومئذ قاضي القضاة، فقال: إن أمير المؤمنين أمرني أن حضر معي غدا مع الفجر أربعين رجلا، كلهم فقيه، يفقه ما يقال له، ويحسن الجواب، فسموا من تظنونه يصلح لما يطلب أمير المؤمنين، فسمينا له عدة، وذكر هو عدة، حتى تم العدد الذي أراد، وكتب تسمية القوم، وأمر بالبكور في السحر، وبعث إلى من لم يحضره، فأمره بذلك، فغدونا عليه قبل طلوع الفجر، فوجدناه قد لبس ثيابه، وهو جالس ينتظرنا ".
" فركب وركبنا معه، حتى صرنا إلى الباب، فإذا بخادم واقف، فلما نظر إلينا قال: يا أبا محمد، أمير المؤمنين ينتظرك، فأدخلنا، فأمرنا بالصلاة فأخذنا فيها، فلم نستتم حتى خرج الرسول، فقال: ادخلوا، فإذا أمير المؤمنين جالس على فراشه، وعليه سواده وطيلسانه، والطويلة وعمامته، فوقفنا وسلمنا، فرد السلام، وأمر لنا بالجلوس، فلما استقر بنا المجلس، انحدر عن فراشه ونزع عمامته وطيلسانه، ووضع قلنسوته، ثم أقبل علينا، فقال: إنما فعلت ما رأيتم لتفعلوا مثل ذلك، وأما الخف فمنع من خلعه علة، من قد عرفها منكم،
[١]يحيى بن أكثم: من ولد أكثم بن صيفي التميمي، حكيم العرب، كان عالما بالفقه، بصيرا بالأحكام، ذكره الدارقطني في أصحاب الشافعي، وقال الخطيب في تاريخ بغداد: كان يحيى بن أكثم سليما من البدعة، ينتحل مذهب أهل السنة، سمع عبد الله بن المبارك وسفيان بن عيينة وغيرهما، وروى عنه أبو عيسى الترمذي وغيره، وكان يحيى من أعلام الدنيا، وكان واسع العلم بالفقه، كثير الأدب، قائم بكل معضلة، وغلب على المأمون، حتى لم يتقدمه أحد غيره من الناس جميعا وكان المأمون ممن برع في العلوم، فعرف من حال يحيى بن أكثم، وما هو عليه من العلم والعقل ما أخذ بمجامع قلبه، حتى قلده قضاء القضاة، وتدبير أهل مملكته، فكانت الوزراء لا تعلم في تدبير الملك شيئا، إلا بعد مطالعة يحيى، وقد توفي يحيى بن أكثم في خلافة المتوكل (٢٣٢ - ٢٤٧ هـ) وذلك في يوم الجمعة منتصف ذي الحجة عام ٢٤٢ هـ بالربذة، وهو في طريقه من مكة إلى العراق، وقبل توفي في غزة سنة ٢٤٣ هـ، وعمره ثلاث وثمانون سنة (وفيات الأعيان ٦ / ١٤٧ - ١٦٥، أخبار القضاة لوكيع ٢ / ١٦١، طبقات الحنابلة ١ / ١٤٠، النجوم الزاهرة ٢ / ٢١٧، ٣٠٨، مرآة الجنان ٢ / ١٣٥، ميزان الاعتدال ٤ / ٣٦١، شذرات الذهب [٢]/ ١٠١ - ١٠٢).