الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ٥٦ - الباب الأول في تعظيم شأن القرآن وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف
* ( خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ ) * [ سورة الملك ، الآية : ٣ ] فكان المراد انظر ، فارجع ، ثم ارجع أي لا ترض بالنظرة الأولى ولكن راجع بعدها ، ثم راجع ، وإذا كان التكرار هو الرّجوع إلى الأول ، والأول هنا النّظر المضمر فقوله تعالى : * ( فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) * كرّر أوّل إلى النظر المستدل عليه ، وقوله : * ( ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ) * ، وإذا كان الأمر على هذا لم تحصل ثلاث كرّات فلذا اتّبع الكلام بقوله كرّتين وهذا جيد بالغ ، وقوله تعالى : * ( هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ ) * أي من شقوق وصدوع .
و قوله تعالى : * ( يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً ) * [ سورة الملك ، الآية : ٤ ] المعنى إنك إن أدمت النّظر ، واتبعت البصر تطلب العيب في حكمة اللَّه والفطور في صنعه رجعت من مطلوبك خاسر الصفقة ، صاغر الرجعة ، خائب الطلبة بعيدا من البغية ، والخاسيء من قولك خسأت الكلب إذا طردته وبعدته خسأ ولا تقل انخسأ ، والحسير الكال المعي . ويقال : إبل حسرى لأنّ حسيرا فعيل بمعنى مفعول ، فهو كجريح ، وجرحى .
و منه قوله تعالى : * ( فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ ) * [ سورة الرحمن ، الآية : ٣٧ ] الآية ، وقوله :
* ( وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ ونُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا ) * [ سورة الفرقان ، الآية : ٢٥ ] خضراء ملساء متّصلة الجوانب والأكناف مرتبة الوسائط ، والأطراف محفوظة من مسترقة السمّع بما أعدّ لها من الارصاد .
و تلخيص هذا يبين إذا ضمّ إلى قوله تعالى : * ( ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ ) * وإلى قوله تعالى : * ( هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ والْمَلائِكَةُ ) * [ سورة البقرة ، الآية : ٢١٠ ] لأنّ المعنى يأتيهم أمر اللَّه ، والسّماء كالوردة ، وقد انفطرت بالغمام أي تنشق بها ، والملائكة تنزل منها في الغمام فكأنها تنشق ، وهم في تكاثفهم ، وتراكمهم بما معهم كظل من الغمام وهذا كما يقال : رعف الباب بفلان - أي جاه من قبله ، وسال الوادي ببني فلان إذا خرجوا منه ، وكقول الشاعر :
وكما قال :
قضيب : واد باليمامة ، والمعنى أنجدنا لما افترقنا ، وانهمت هذه المرأة ويقال : نزل بقارعة الوادي - أي أعلاه ، وقوله : مال بها ، كقوله : سالت الأباطح بأعناق المطي قوله تعالى : * ( فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ) * [ سورة الرحمن ، الآية : ٣٧ ] يريد تحوّلها عما كانت ، والورد الأحمر وليس بمشبع قال :