الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ٤٦ - الباب الأول في تعظيم شأن القرآن وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف
* ( مِيقاتاً ) * [ سورة النبأ ، الآية : ١٧ ] إلى * ( سَراباً ) * فإن سأل سائل عن معنى قوله : * ( فَكانَتْ أَبْواباً ) * [ سورة النبأ ، الآية : ١٩ ] . وعن وجه التشبيه بالسّراب قلت : معنى قوله : أبوابا يريد كانت ذات أبواب مفتّحة ، وليس المعنى صارت كلَّها أبوابا ، كما أنّ قوله : كانت فراخا بيوضها صارت كلَّها فراخا ، لأنها إذا صارت كلَّها أبوابا عادت فضاء ، وخرجت من أن تكون أبوابا .
و أما التّشبيه بالسرّاب ، فالمراد به بيان إلماعها ، وتخلخلها في نفسها ، والسّراب هو الذي يتخيّل للنّاظر نصف النّهار كأنه ماء يطرد ، ويقال : سرب الماء يسرب ، إذا سال ، والمراد ما يتداخل النّفس من تغير المعهود ، وقد أخرج اللَّه تعالى صفة القيامة في معارض مختلفة لا ختلاف أحوال المسوفين ، وكرر ذكرها ، وحذّر منها ، ونبّه من أمرها على كثير مما يكون فيها ليبين فظاعتها فقال تعالى : * ( فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ) * [ سورة المرسلات ، الآية : ٨ ] إلى * ( لِيَوْمِ الْفَصْلِ ) * ، وقال تعالى : * ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ ) * [ سورة الحجر ، الآية : ٤٨ ] الآية ، فتبديل الأرضين والسّماوات وإطفاء الضّوء وتفريج السّماء وتحليل عقدها حتى تصير أبوابا وطمس نجومها ؛ وانتشار كواكبها ، ونسف جبالها كلّ ذلك ، أو أكثرها مما تؤكد حال الفناء ، وإزالة معاقد الأرض والسّماء . وقد درج تعالى في هذه الصفات لأنه تعالى ردّدها متفننة في أوقاتها بين أوائلها ، ووسائطها ، وأواخرها فمن ذلك قوله تعالى : * ( يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ) * [ سورة النازعات ، الآية : ٦ ] إلى * ( بِالسَّاهِرَةِ ) * . وقال تعالى : * ( ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ) * أي الوعد به صدق ، أو يراد به أنه يوم حق لا باطل معه إذا قام الأوّلون والآخرون ، ويجتمع متفرّق الأسباب ، ومتمزّق الأجلاد ، ويعود غائب الأرواح ، ويحشر الأفواج . وقد قال تعالى : * ( فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى ) * [ سورة النازعات ، الآية : ٣٤ ] والطَّامة هي العالية على ما قبلها .
و قال تعالى : * ( إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ) * [ سورة الإنفطار ، الآية : ١ ] إلى * ( وأَخَّرَتْ ) * ، وقال تعالى : * ( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ ) * [ سورة الإنشقاق ، الآية : ١ ] إلى * ( وتَخَلَّتْ ) * و * ( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ) * [ سورة التكوير ، الآية : ١ ] و * ( إِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ ) * ، و * ( إِذا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزالَها ) * [ سورة الزلزلة ، الآية : ١ ] ، وقال تعالى : * ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ) * [ سورة الأعراف ، الآية : ١٨٧ ] إلى آخر السورة . وهذا السؤال ، والجواب مثل سؤالهم عن الرّوح فقوله : * ( فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها ) * [ سورة النازعات ، الآية : ٤٤ ] مثل قوله تعالى : * ( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) * وقال تعالى : * ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ إِنَّه هُوَ يُبْدِئُ ويُعِيدُ ) * [ سورة البروج ، الآية : ١٢ ] والإبداء إبداعه الخلق كلَّه لا من شيء والإعادة ما وعد به من الإحياء بعد الإماتة ، والبعث ، والحشر ، وإعداد الثّواب والعقاب .
و حكي عن الأصمعي أنه قال : إذا قال الرجل : أول امرأة أتزوّجها فهي طالق لم يعلم هذا من قوله حتى يحدث بعدها أخرى ، فإن ماتت لم تكن أول لكنه لا تشركها أخرى .