الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ٣٥٧ - الباب السّادس والثّلاثون في ذكر أحوال البادين والحاضرين ، وبيان تنقلَّهم وتصرّف الزّمان بهم
و يتحوّلون في معاشيب الأرض ويشربون ماء السّماء ويجتزون بالرّطب ، عن الورد وهم في سلوة من العيش ، ورغد من الخفض يرمي النّوى بهم المرامي ، فمن شعب يلتئم إلى شعب ، ومن جمع يلتئم مع جمع ومزار تقرّب بعد بعد ، ومطاف يسهل عقيب وعر ، ومواعيد بين الأحبّة أنجزت وعقود من حبال جوار ووصال أوثقت حتّى إذا تحرّك الهيف وهو أوّل الحر ومبدؤ البوارح ، بدّلت الأرض والدّهر ذو تبدّل ، فمن بقل ذابل وماء غايض ونهي ناضب ، وصيف صائف ، وهيج يشتد وورد يمتد ، وكبد من الماء تحر ، وصبر على بلواه ينفد ويقلّ ، حينئذ ترى ذا الرّاحة يتعب ، والمتأخّر يلحق ، متصدّعين عن مباديهم ، سعيا ومفترقين عن مقارّهم شفقا فكم قلب لفراق الأحبّة جزع ، ودمع لوداعهم همع ، وأنس لبيتهم يقطع ، ووجد ببعدهم تجدّد . وكلّ هذا أتت به الأشعار وترادفت بأمثالها الأخبار ، فمن ذلك قول جرير يذكر سائرة ضمّتها إليهم النّجعة ثم تفرّقوا فأسف لفراقهم . قال شعرا :
وقال ذو الرّمة :
من ورد الحمى ، وقال الجعدي يذكر امرأة جاورتهم في مرتع شعرا :
يريد بأخي السّلوة : الندى لأنّهم في سلوة ورخاء ما أقام لهم ، وهو الأملح لبياضه .
و قوله : مسى به اللَّيل : لأنّ النّدى باللَّيل يسقط . وقوله في المرابيع : يريد سمنها .
و المرابيع : جمع المرباع وهي التي من عادتها أن تنتج في أوّل النتاج . والمصانيف : التي تنتج في آخر النّتاج . والرّشح : جمع راشح وهي التي تمسكها أمّها لئلا تسقط وهو التّرشح .
و يقول الرّجل لصاحبه : لقيت فلانا يرشح ولد ناقته إذا فعل بها . وقوله : وحاربت الهيف الشّمال . لأن الشّمال والصّبا ريحا البرد . والجنوب والدّبور ريحا الحرّ . والمتصوّح : اليابس المتشقّق ، قال ذو الرّمة :