الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ١١٧ - فصل آخر في بيان معنى البكرة والعشي
أجزائه عاد نقصانا لا تضعيفا وقوله تعالى : * ( وسَبِّحْه لَيْلًا طَوِيلًا ) * [ سورة الإنسان ، الآية : ٢٦ ] المراد به أجزاء ليلة طويلة من اللَّيل لأنه لو أريد الجنس لما صحّ فيه ذكر الطَّول وللزم التّسبيح ليلة طويلة دون ليلة قصيرة ، وإذا أريد الجزء من اللَّيل في كلّ ليلة فهو أمر بالتّسبيح جزءا طويلا وأجزاء طوالا .
و قال بعضهم في قوله تعالى : * ( وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله ) * [ سورة إبراهيم ، الآية : ٥ ] أي بنعمه ، والكوفيون رووا اللَّيل ليلك ، واليوم يومك ، ويراد به الوقت وقتك ، ويقال : الليل ليلك واليوم يومك ، فيجعلون الأولى ظرفا للثانية ، وجعلوا الثّاني جزءا منه لأنّ الظرف وعاء مستوعب ، فيجب أن يكون أوسع من ذي الظرف ليوعبه ويشتمل عليه كما يحوي الوعاء ما ضمنه ، وأما قوله تعالى : * ( فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا ) * [ سورة الدخان ، الآية : ٢٣ ] وقد علمنا أن السّرى لا يكون إلا ليلا ، فالمراد في جوف اللَّيل ، ولو قال : فأسر بعبادي ، ولم يقل ليلا لكان مطلقا في أول اللَّيل وآخره وما بينهما ، أ لا ترى أنك تقول : جاءني فلان البارحة بليل ، فيكون المعنى في استحكام اللَّيل ، وقد يجيء ما لا يحتاج فيه إلى تأكيد ، تقول : أدلجت فيكون المعنى سرت في أول الليل ، ولو قال : أدلجت في أوّل اللَّيل لساغ فيكون تأكيدا كتكرير الاسم أو الفعل قال زهير شعرا :
فقوله بسحرة بكور على وجهين : أحدهما أن يكون الإدلاج لآخر اللَّيل وبكرن للسّحر وغيره ، فإذا قال بسحرة فقد بين أيّ الوقت من آخر الليل ، ويكون توكيدا محضا قال تعالى :
* ( فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ) * * [ سورة هود ، الآية : ٨١ ] على هذا والعرب يقول : أتيتك بقطع من اللَّيل ، وبعد وهن من اللَّيل إذا دخلت في استحكامه ، فأمّا قول ضمرة شعرا :
فقال : بكرت ثم قال بعد وهن ، والوهن لا يكون إلا ليلا فالمعنى أول ذلك الوقت وقولهم : بكر عليه إذا لم يسمّ الوقت فإنّما يعني جاء في أوله ليلا كان أو نهارا ، وبها سميّت الباكورة من الثمر وإن لم تذكر وقتا ، وقلت أتانا بكرة فإنّما تأويل ذلك أوّل النّهار لا غير ، هذا المستعمل بلا شرط ، وما تقدم فإن تذكر ما يدل عليه وكذلك اليوم إذا كان مطلقا إنما تعني به النّهار دون اللَّيل والألف واللام يدل على يومك ، إلا أن تصله بغيره فتقول : رأيته اليوم الذي مضى .
فصل آخر [ في بيان معنى البكرة والعشي ] قوله تعالى : * ( ولَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا ) * [ سورة مريم ، الآية : ٦٢ ] يريد على ما