الازمنه والامكنه - المرزوقي الأصفهاني، أبو علي - الصفحة ٢٦ - الباب الأول في تعظيم شأن القرآن وفصل بيانه بالنّظم العجيب والتّأليف الرّصيف
* ( يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ والْمَرْجانُ ) * [ سورة الرحمن ، الآية : ٢٢ ] وإنما خرج من الملح لا من العذب ولكنه ذكرهما ذكرا واحدا فخبر بما يتضمّنانه . وكذلك قوله : * ( ومِنْ رَحْمَتِه جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيه ولِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِه ) * [ سورة القصص ، الآية : ٧٣ ] ، فالسّكون في اللَّيل والاكتساب في النّهار ، ولكن كما جمعهما في الذّكر ابتداء جمعهما في الخبر انتهاء ، افتنانا في النظم وتبحرا في السّبك وثقة بأنّ اللَّبس عنه بعيد كيف رتب وفي قوله تعالى :
* ( لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والْحِسابَ ) * * [ سورة الإسراء ، الآية : ١٢ ] إشارة إلى التّواريخ وضبط مبالغ الدّيون والمعاملات وآمادها ومواقيتها ، وما فيه معاشهم ورياثهم وعليه تبتنى منافعهم ومصالحهم ، وقد دخل تحت ما ذكرنا ما أشار تعالى إليه بقوله : * ( وكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناه تَفْصِيلًا ) * [ سورة الإسراء ، الآية : ١٢ ] وإن كانت هدايته أبلغ ، ومجامع بيانه من اللَّبس أبعد ، فأما قوله تعالى من الآية الأخرى التي أوردتها مستشهدا بها جعل اللَّيل لباسا أي للتّودع والسّكون يقال في فلان ملبس أي مستمتع .
قال امرؤ القيس شعرا :
وقال ابن أحمر :
ويجوز أن يريد باللَّباس السّتر لأنّ الليل عطاء كل شيء وستره كما قدّمنا ، والأحسن الأول يدل على ذلك قوله تعالى : * ( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ ، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ ) * [ سورة البقرة ، الآية : ١٨٧ ] وجعل العلة فيما أحل منهنّ لهم من الرّفث إليهنّ كون الجميع لباسا أي مستمتعا وقوله : * ( والنَّوْمَ سُباتاً ) * أي راحة وأمنا ويقال : رجل مسبوت إذا استرخى ونام وسبت فلان العمل بالفتح إذا ترك العمل واستراح وانسبتت البسرة ، إذا لانت وقوله : * ( وجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً ) * [ سورة الفرقان ، الآية : ٤٧ ] مثل قوله : * ( إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا ) * [ سورة المزمّل ، الآية : ٧ ] أي ذهابا وتصرّفا في طلب الرّزق ، ولمّا كان النّشور في النّهار جعله على المجاز نفسه ، كقولك : فلان أكل وشرب على تقدير هو ذو أكل فحذف المضاف ، أو لغلبة الفعل عليه ، جعله كأنه الفعل على هذين الوجهين يحمل قوله شعرا :
وهو يصف وحشية . قال بعض أصحاب المعاني النّشور في الحقيقة الحياة بعد الموت بدلالة قوله شعرا :